العالمالمغرب

الصحراء الشرقية بين التاريخ والإرث الاستعماري والواقع السياسي الراهن

تشكل الصحراء الشرقية، التي تضم مناطق مثل تندوف وبشار والقنادسة وبني ونيف، واحدة من أبرز الملفات الحدودية العالقة في تاريخ العلاقات المغربية الجزائرية. فالمغرب يرى أن هذه الأراضي كانت جزءا من مجاله الترابي قبل الحقبة الاستعمارية، بينما تعتبر الجزائر أنها تدخل ضمن سيادتها الترابية النهائية التي لا تقبل النقاش.

جذور هذا الملف تعود إلى بداية القرن العشرين، حين أعادت فرنسا، القوة الاستعمارية في المنطقة، رسم الحدود بين مستعمرتي المغرب والجزائر. وابتداء من معاهدة الحماية سنة 1912، ضمت أراض واسعة شرقا إلى الجزائر الفرنسية رغم أنها كانت خاضعة تاريخيا لنفوذ الدولة المغربية، سواء من حيث تعيين القياد والقضاة أو دفع الضرائب. ومع استقلال الجزائر سنة 1962، وجد المغرب نفسه أمام حدود لم يرسمها هو، بل فرضت عليه من طرف الاستعمار.

في السنة الموالية، اندلع صراع مسلح قصير عرف بـ”حرب الرمال” سنة 1963، حين حاول المغرب استرجاع هذه المناطق أو على الأقل فتح نقاش جدي حولها. ورغم تدخل وساطات إفريقية لوقف المواجهات، ظل الخلاف قائما في الذاكرة الجماعية، يطفو بين الفينة والأخرى كلما توترت العلاقات بين البلدين.

المغرب، وإن كان يؤكد في خطابه التاريخي أن الصحراء الشرقية أرض اقتطعت منه قسرا، إلا أنه لا يضع هذا الملف حاليا ضمن أولوياته الدبلوماسية، مفضلا التركيز على قضية الصحراء المغربية في الجنوب. أما الجزائر فترى أن الحدود التي خلفها الاستعمار نهائية، وتستند في ذلك إلى مبدأ “قدسية الحدود الموروثة” الذي اعتمدته منظمة الوحدة الإفريقية منذ ستينيات القرن الماضي.

القضية، في جوهرها، تعكس إشكالية أوسع تتجاوز المغرب والجزائر، فهي صورة مصغرة عن مأساة الحدود الاستعمارية التي رسمت في إفريقيا دون مراعاة للتاريخ أو الواقع الاجتماعي والثقافي للشعوب. هذه الحدود المصطنعة ظلت مصدر توتر ونزاعات كثيرة عبر القارة، وما زالت تعرقل مشاريع الاندماج الإقليمي والتعاون المشترك.

الصحراء الشرقية إذن ليست مجرد أراض جغرافية متنازع حولها، بل رمز لإرث استعماري ثقيل يواصل التأثير على حاضر ومستقبل العلاقات المغربية الجزائرية. ويبقى تجاوز هذا الإرث رهينا بإرادة سياسية صادقة من الطرفين، تضع مصلحة الشعبين وتطلعات المنطقة نحو الوحدة والتكامل فوق الحسابات الضيقة والخلافات التاريخية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى