
في إطار تنزيل مقتضيات القانون الإطار 51.17 وأهداف خارطة الطريق 2022-2026، وبهدف تجويد منظومة التكوين الأساس للمدرسين، نُظمت ندوة علمية وطنية برحاب المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين لجهة فاس مكناس يومي 23 و24 ديسمبر 2025. جاءت الندوة كجهد مشترك بين المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بفاس، وجامعة سيدي محمد بن عبد الله، والمدرسة العليا للأساتذة بفاس، والأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين بجهة فاس مكناس.
سعت الندوة إلى إرساء رؤية أكاديمية متجددة في مجال تكوين المدرسين، وضمان ملاءمة التكوينات مع مستجدات المنظومة التربوية، وتكريس نموذج التكامل والتجسير بين مؤسسات التكوين المتدخلة. وقد جمعت الندوة خبراء وأساتذة وباحثين وممارسين تربويين لمناقشة القضايا الأساسية المتعلقة بالتكوين الأساس، ورهانات الإصلاح، وتحديات التجديد في ميادين التربية والتكوين والتدبير والتأطير والبحث.
وقد عرفت الجلسة الافتتاحية، إلقاء كلمات كل من السادة:
• الدكتور محمد الأزمي الحسني مدير المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين.
• الدكتورمصطفى أجاعلي رئيس جامعة سيدي محمد بن عبد الله.
• الدكتور سعد بناني نائب مدير المدرسة العليا للأساتذة بفاس.
• الدكتور نوالدين المازوني مدير المركز الوطني للأستاذية.
• الدكتور أحمد مزهار ممثل لجنة تنسيق الندوة.
حيث أجمعت الكلمات الافتتاحية على الأهمية الاستراتيجية لمبدأ التجسير والتكامل كمدخل أساسي لمواجهة التحديات المعرفية والبيداغوجية المتسارعة، مؤكدة أن المقاربات المجزأة لم تعد مجدية.
وقد عالجت الندوة إشكالية التكامل عبر أربع جلسات علمية رئيسية، غطت أربعة محاور كبرى:
- الإطار التشريعي والقانوني المنظم للتكوين الأساس.
- واقع عدة التكوين بالمسارين (الأكاديمي والمهني).
- رهانات وتحديات التجسير والتعاون.
- آليات واستراتيجيات التجسير والتعاون والتكامل.
يمكن إيجازها فيما يلي:
-خلال الجلسة الأولى تمت مساءلة التكوين الأساس بين الطابع المعرفي والكفايات المهنية وركزت المداخلات على كيفية تحقيق الانسجام بين التكوين الجامعي التخصصي والتكوين المهني التطبيقي. وأبرزت أهمية آليات التنسيق والتقويم التشخيصي لرصد مكتسبات المتدربين وتحديد احتياجاتهم، لضمان انتقال سلس بين المرحلتين في تخصصات مثل اللغات والتاريخ والفلسفة.
-الجلسة الثانية انكبت على هندسة تكوين مدرس المستقبل وعالجت المداخلات مسارات التكوين وحدود تنزيلها الميداني. كما ناقشت التقاطعات بين التكوين النظري والممارسة المهنية في مجالات مثل التربية الإسلامية، وتنمية الكفايات اللغوية، وإدماج تكنولوجيا المعلومات والاتصال.
-الجلسة الثالثة ركزت على التكامل كركيزة في المشروع الوطني لتكوين المدرسين و تناولت المداخلات إشكالات تدريس تخصصات كالتاريخ والجغرافيا واللغة الإنجليزية، مؤكدة على ضرورة ملاءمة المضامين الأكاديمية مع الكفايات المهنية المنتظرة. وشددت على الحاجة إلى نموذج تكويني مندمج يرتكز على التنسيق المؤسساتي وتوحيد الرؤى البيداغوجية، مع إدماج التربية الدامجة.
-أما الجلسة الرابعة فخصصت للتجسير بين التكوين الأساس والتكوين التأهيلي حيث ركزت على الأطر التنظيمية والقانونية وآليات التنسيق لتقوية المنظومة. وعالجت العلاقة بين التكوين الأكاديمي والممارسة المهنية، وبناء الاحترافية المهنية لمدرس القرن الحادي والعشرين، وتأهيل “المدرس الدامج”.
هذا، وقد كشفت النقاشات عن مجموعة من التحديات والإكراهات التي تعترض تحقيق تكامل فعال بين المدارس العليا للأساتذة والمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين، ومن أبرزها:
• الفصل المؤسسي الإداري: تخضع المراكز الجهوية لوزارة التربية الوطنية، بينما تتبع المدارس العليا لوزارة التعليم العالي، مما يعيق بشكل كبير التنسيق والتخطيط المشترك.
• الفصل المنهجي والبيداغوجي: غالباً ما تُصمم برامج الإجازة في التربية بشكل منفصل عن متطلبات ومواصفات مراكز التكوين المهني.
• غياب الاستمرارية والتكامل: هناك عدم مراعاة لبناء عدة التكوين في المراكز على أساس ما تم اكتسابه في المدارس العليا، والعكس صحيح، مما يؤدي إلى تكرار في المحتوى ووجود فجوات في إعداد المدرسين.
• غياب آليات التواصل والتنسيق: تفتقر المنظومة إلى قنوات مؤسسية ولجان مشتركة دائمة تضمن التشاور وتنسيق الجهود ومواءمة الرؤى بين المؤسستين.
• غياب رؤية استراتيجية واضحة: لا توجد استراتيجية واضحة وموحدة لتنزيل التعاون والتجسير على أرض الواقع، مما يجعل الجهود فردية وغير ممنهجة.
وتبعا لهذا كله، انبثقت عن الندوة مجموعة غنية من التوصيات العملية التي تهدف إلى إرساء نموذج تكويني مندمج ومتكامل. يمكن تصنيفها كالتالي:
أ. على المستوى المؤسسي والاستراتيجي
• اعتماد رؤية مندمجة: تبني رؤية تكاملية تقوم على التجسير الفعلي بين التكوين الأساس والتكوين التأهيلي.
• تعزيز التنسيق المؤسسي: إرساء آليات تنسيق فعالة بين المدارس العليا للأساتذة والمراكز الجهوية.
• إنشاء لجان مشتركة: تشكيل لجان دائمة من أطر تربوية وإدارية من كلا المؤسستين للتنسيق ومراجعة المناهج.
• توقيع اتفاقيات شراكة: إبرام اتفاقيات استراتيجية تحدد أدوار كل طرف وآليات التنسيق على مستوى التكوين الأساس.
• مراجعة الأطر التنظيمية: مراجعة القوانين المؤطرة للتكوين لضمان المرونة والاستمرارية بين المسارين.
• الانفتاح على التجارب الدولية: الاستفادة من التجارب الناجحة في دول مثل فنلندا وكندا والولايات المتحدة في مجال توحيد مسارات التكوين.
ب. على مستوى المناهج وهندسة التكوين
• توحيد الرؤى البيداغوجية: ضمان انسجام هندسة التكوين ومضامينه بين المؤسستين.
• إرساء أطر مرجعية مشتركة: وضع دفاتر تحملات بيداغوجية تحدد الكفايات والمهارات الأساسية المطلوبة في المرحلتين.
• اعتماد التقويم التشخيصي: استخدامه كآلية لتحديد المكتسبات القبلية والحاجيات التكوينية للمتدربين.
• تجويد التكوين البيداغوجي-الديداكتيكي: ربطه بشكل وثيق بالممارسة المهنية داخل الفصول الدراسية.
• إدماج قضايا محورية: دمج التربية الدامجة، الكفايات العرضانية، القيم، المواطنة، والهوية المهنية في برامج التكوين.
• دعم التكوين اللغوي: تعزيز التكوين في اللغات والتعدد اللغوي لخدمة جودة التعلمات.
ج. على مستوى البحث والتطوير المهني
• تشجيع البحث التربوي المشترك: دعم المشاريع البحثية التطبيقية بين المؤسستين التي تركز على حل مشاكل الممارسة الصفية.
• تبادل الخبرات: تعزيز تبادل المشاريع والخبرات لترسيخ قيم العمل الجماعي والابتكار.
• تعزيز الاحترافية وأخلاقيات المهنة: تكريسها منذ مراحل التكوين الأولى.
• اعتماد المواكبة المهنية: توفير التأطير والمواكبة بعد التوظيف لضمان استدامة أثر التكوين.
• إرساء نظام لتتبع الخريجين: تقويم أثر التكوين على الممارسة الصفية بشكل منهجي.
• توظيف الرقمنة: استخدام المنصات الرقمية كرافعة للتكامل والتكوين المدمج والذاتي.
إن تفعيل هذه التوصيات يُعد شرطاً ضرورياً لإعداد مدرس مغربي متمكن معرفياً، وكفء مهنياً، وقادر على الاستجابة لرهانات الجودة والإنصاف والتحول الرقمي في منظومة التربية والتكوين.




