البصلة فوق 15 درهم… هل تستعمل في رؤوس الصواريخ؟

في المغرب، يبدو أن شهر رمضان هذا العام لم يأتِ بالهدوء المتوقع، بل جلب معه صدمة صغيرة، لكنها مؤثرة: البصلة تجاوزت 15 درهمًا للكيلو. نعم، نفس البصلة التي كانت رفيقة الحريرة، وزينة الطاجين، وشريك كل طبق شعبي منذ الأزل، أصبحت الآن رمزًا للفوضى الاقتصادية وللأسئلة الوجودية. والآن، المواطن العادي يطرح سؤالًا لا يطرحه إلا من يملك حسًّا ساخرًا أو جنونًا مقبولًا اجتماعيًا: هل يتم استعمال البصلة في رؤوس الصواريخ في حرب الشرق الأوسط؟
الأرقام تقول إن السعر ارتفع، لكن السبب… هنا تبدأ المتعة: التبريرات الرسمية، دائمًا مهذبة، دائمًا علمية، دائمًا مليئة بالكلمات الكبيرة مثل “الطلب العالمي”، و”اضطراب الإنتاج”، و”تأثيرات المناخ”، و”التقلبات في الأسواق الدولية”، وكأن كل هذه المصطلحات قادرة على تهدئة قلب ربة المنزل التي ترى كيلو البصل أغلى من بعض مشتقات الذهب الصغيرة، وكأن البصل فجأة أصبح سلعة استراتيجية في الحرب العالمية الثالثة، لكن نوعًا محليًا وعضويًا، ويُستهلك يوميًا في الحريرة.
وفي كل الأسواق، يقف المواطنون محتارين، يرفعون أيديهم إلى السماء ويقولون بصوت واحد تقريبًا: “هل كل هذه الزيادات بسبب قصف في غزة، أو صواريخ في اليمن، أو هل هناك مؤامرة خفية تجعل البصلة المغربية… أغلى من الفضة؟” بالطبع، لا أحد يجيب، لأن المسؤولين لديهم أجوبة علمية ومعقدة عن “سلاسل التوريد” و”تغيرات السوق”، بينما الحقيقة الوحيدة هي أن كل كيلو بصل أصبح يشبه الاستثمار في الأسهم: غامض، متقلب، وربما خطير على الصحة النفسية أكثر من السعر نفسه.
الأكثر سخرية هو أننا لم نعد نأكل البصل فقط، بل أصبح البصل مقياسًا للحرب البعيدة: إذا ارتفع ثمنه، فهذه حرب، وإذا انخفض، فهي هدنة، وإذا استقر، فهذا يعني أننا في فترة تفاوض صامتة بين الموردين والتجار والمواطنين المتعبين من تفسير كل رقم في الفاتورة. البصلة لم تعد مجرد طعام، بل أصبحت أداة استخبارات اقتصادية غير معلنة، ورمزًا لكل شيء غامض يحدث حولنا ولا نفهمه، وربما تصبح قريبًا العنصر الأول في أي تقرير إخباري: “ارتفاع أسعار البصل مؤشر على التوتر الإقليمي!”
وفي هذا السيناريو، المواطن البسيط لا يملك سوى الضحك، أو الاستسلام، أو كلاهما معًا. يذهب إلى السوق، ينظر إلى كيلو البصل، يتساءل: هل هو مجرد طعام أم قطعة معدنية يمكن أن تُطلق في صاروخ؟ وهل يجب أن يشتريه الآن قبل أن يزداد سعره غدًا… أم أن شراءه أصبح نوعًا من التضامن الدولي مع حرب الشرق الأوسط؟
باختصار، شهر رمضان هذا العام لم يأتِ بالسكينة، بل جلب معه حربًا رمضانية صغيرة داخل جيوبنا، حيث البصل أغلى من الذهب، وكل زيادة سعرية تصبح قصة حرب عالمية، وكل كيلو يُشترى هو بمثابة رصاصة في المعركة اليومية ضد الواقع الاقتصادي، والمعركة الأكبر تبقى: كيف نستمر في الطاجين والحريرة، بينما الحرب في الشرق الأوسط… والدرهمان في السوق، وكل شيء يبدو وكأنه مرتبط ببعضه بطريقة سخيفة، لكن لا أحد يملك الشجاعة ليقولها بصراحة: نعم، البصل أغلى من الحرب، وربما هو أهم.




