الإسلام في السجون الأمريكية: تحولات روحية أم إعادة إنتاج للذات؟

شهدت السنوات الأخيرة ظاهرة لافتة في السجون الأمريكية، تمثلت في ارتفاع كبير لمعدلات اعتناق السجناء للإسلام، حتى بلغ الحال في بعض المنشآت بولاية أريزونا أن ثلث السجناء اعتنقوا الدين نفسه في آن واحد. هذه الظاهرة، التي وصل عددها حتى عام 2016 إلى أكثر من 250 ألف سجين مسلم، أي ما يقارب 9٪ من إجمالي السجناء، تطرح أسئلة فلسفية واجتماعية عميقة حول طبيعة التحول الروحي في بيئة معزولة وقاسية.
وفق معهد “بيو” للأبحاث، يغلب على معتقدي الإسلام في السجون الأمريكيين خلفيات محددة: أغلبهم من السود، يليهم اللاتينيون، وأخيرًا البيض، كما أن ربعهم محكومون بعقوبات متوسطة أو طويلة الأمد. لكن الأرقام وحدها لا تعكس الجوهر؛ فالإسلام هنا ليس مجرد ممارسة طقوسية، بل يبدو كأداة لإعادة بناء الذات، وإعادة صياغة علاقة السجين بالعالم من حوله.
التحولات التي يمر بها السجناء المسلمون لا يمكن اختزالها في حدود الإيمان الديني فقط. فهي تمثل نوعًا من “الانعتاق الداخلي”، حيث يتيح لهم الالتزام بالمبادئ الروحية – الانضباط، الصبر، التحكم في النفس – إعادة النظر في سلوكياتهم السابقة، وإعادة تشكيل هويتهم بما يتوافق مع ضمير أخلاقي جديد. المعهد يؤكد أن معظم هؤلاء لا يعودون للجريمة عند خروجهم، ما يطرح الإسلام كوسيلة لإعادة الإدماج الاجتماعي، وكمحرك للتغيير النفسي العميق.
من زاوية فلسفية، يمكن النظر إلى هذا التوجه على أنه “ممارسة للحرية في ظل القيد”. فالحرية هنا لا تعني غياب الحدود المادية، بل قدرة السجين على إعادة تعريف ذاته وسط قيود السجن، واستخدام الدين كأداة تحررية لإعادة صياغة العلاقة بين الفعل والنتيجة، بين الأخلاق والعقاب، بين الفرد والمجتمع.
كما تثير هذه الظاهرة تساؤلات عن دور الدين في إعادة إنتاج الذات مقابل دوره التقليدي في فرض الانضباط الاجتماعي. فالإسلام داخل السجون الأمريكية يتحول إلى مساحة للتأمل، ولإعادة صياغة الذات، بعيدًا عن النظرة التقليدية للدين كمجرد نظام من القوانين والطقوس. وهو بذلك يقدم نموذجًا لممارسة “التحول الأخلاقي” في سياقات غير طبيعية، ويعيد التفكير في مفاهيم العدالة، العقاب، والإصلاح النفسي.
باختصار، الإسلام في السجون الأمريكية ليس مجرد ظاهرة دينية أو اجتماعية، بل تجربة فلسفية تعكس قدرة الإنسان على إعادة ابتكار ذاته، حتى في أصعب الظروف، وعلى استخدام الروحانية كأداة لإعادة الإدماج، وتجاوز حلقة العنف والجريمة، نحو أفق من الانضباط الداخلي والتحرر النفسي.




