الإدارة المغربية… حيث يتعلم المواطن فن الانتظار

في المغرب، لا تحتاج إلى موعد لتتعلم الصبر.
يكفي أن تقصد إدارة عمومية.
تدخل وفي ذهنك مهمة بسيطة: توقيع، شهادة، وثيقة لا تتجاوز دقائق في الخيال… وساعات في الواقع. تجلس، تنتظر، تراقب وجوهًا تشبهك: نفس التعب، نفس الصمت، نفس السؤال غير المعلن: هل هذا طبيعي؟
الغريب أن لا أحد يجيب.
الأغرب أن الجميع يتصرف وكأن الجواب معروف مسبقًا.
الإدارة المغربية لا تعمل ضدك بالضرورة، لكنها لا تعمل معك أيضًا.
هي فضاء قائم بذاته، له منطقه الخاص، وإيقاعه الذي لا علاقة له بإيقاع الحياة خارج الجدران.
خارج الإدارة، الزمن يساوي المال، الفرص، الالتزامات.
داخلها، الزمن مادة مطاطية: يمكن تمديده، تأجيله، أو إضاعته دون إحساس بالذنب.
تسمع جملة: “ارجع غدًا”
فتدرك أن الغد ليس يومًا محددًا، بل أسلوب تدبير.
في الظاهر، يبدو المشكل تقنيًا: نقص في الموارد، ضغط كبير، تنظيم غير محكم.
لكن إذا اقتربنا أكثر، سنجد أن المسألة أعمق من ذلك.
الإدارة، في شكلها الحالي، لا ترى المواطن كشريك، بل كطالب خدمة.
وهناك فرق كبير بين الاثنين.
الشريك يُحترم وقته،
أما الطالب… فيُطلب منه الانتظار.
هذه العلاقة غير المتوازنة تُنتج سلوكيات مألوفة:
موظف يشتغل دون استعجال
مواطن يتردد قبل طرح سؤال
وسيط غير رسمي يسرّع الأمور لمن يستطيع الدفع
وهكذا، تتحول الخدمة العمومية من حق، إلى تجربة غير مضمونة النتائج.
السخرية هنا ليست في التأخير فقط، بل في ما يرافقه.
يمكن أن تقضي نصف يوم في انتظار توقيع،
ثم تكتشف أن الورقة ينقصها ختم،
والختم يحتاج إلى توقيع آخر،
والتوقيع مرتبط بشخص “غير موجود اليوم”.
تخرج، لا غاضبًا تمامًا… ولا متفهمًا.
فقط مُرهق.
لكن الأخطر من التعب، هو ما يتراكم داخليًا.
مع الوقت، يتعلم المواطن أشياء لم تُدرَّس له:
كيف يتجنب الإدارة إلا عند الضرورة
كيف يبحث عن “معارف” لتسريع المساطر
كيف يقبل بما لا يقبله في مجالات أخرى
وهنا، لا نفقد فقط الوقت…
بل نفقد شيئًا من معنى المواطنة.
لأن الإدارة، في جوهرها، ليست بناية ولا مكاتب.
هي العلاقة اليومية بين الدولة والمواطن.
وحين تتحول هذه العلاقة إلى تجربة مرهقة،
فهذا لا يؤثر فقط على الخدمات،
بل على الثقة.
ومع ذلك، لا يمكن اختزال الصورة في السواد فقط.
هناك موظفون يحاولون، يشتغلون بجد، ويقاومون نفس المنظومة التي تُربك المواطن.
لكن المشكلة أن الجهد الفردي، مهما كان صادقًا، يظل محدودًا داخل بنية تحتاج إلى إصلاح أعمق.
الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من تسريع الإجراءات فقط،
بل من تغيير الفكرة الأساسية:
أن المواطن ليس عائقًا في المسطرة،
بل سبب وجودها.
المغرب يتحدث كثيرًا عن التحديث، الرقمنة، وتبسيط المساطر.
وهذا ضروري.
لكن الأهم من التكنولوجيا، هو العقلية التي تديرها.
يمكنك رقمنة الانتظار…
لكنك لن تحل المشكلة إذا بقيت نفس النظرة.
في النهاية، الإدارة المغربية ليست مجرد مكان نقضي فيه أغراضنا،
بل مرآة صغيرة تعكس كيف تُدار العلاقة بين السلطة والحياة اليومية.
وحين يصبح الذهاب إليها تجربة تُعلّم الصبر أكثر مما تُقدّم الحلول،
فهذا يعني أن هناك شيئًا يحتاج إلى إعادة نظر…
ليس في المواطن،
بل في الطريقة التي يُنظر بها إليه.




