ابراهيم تراوري، حين يتحول السجن من اداة للعقاب الى فضاء للابداع والعمل.

في زمن تتشابه فيه السياسات العقابية في اغلب دول الجنوب، حيث يختزل السجن في كونه اداة للعزل والانتقام، برزت تجربة ابراهيم تراوري، رئيس بوركينا فاسو، كاستثناء لافت، اعاد طرح سؤال العدالة من جذوره. هل السجن عقوبة فقط، ام يمكن ان يكون افقا للتغيير؟
انطلق تراوري من قناعة بسيطة لكنها عميقة. الانسان لا يصلح بالقيد وحده، بل بالعمل والمعنى. ومن هنا، بدأ التحول من مفهوم العقوبة السجنية، باعتبارها زمنا ضائعا، الى تصور جديد يجعل منها فرصة للتكوين، والانتاج، والمساهمة في بناء الوطن.
ضمن هذا التصور، عرف النظام العقابي اصلاحا نوعيا، تمثل في فتح المجال امام السجناء للعمل في القطاع الفلاحي، وربط العمل بالافراج المشروط، حيث كل شهر عمل يحتسب كثلاثة اشهر من العقوبة السجنية. لم يعد السجين ينتظر الزمن داخل الجدران، بل يصنع زمنه بيده، ويستعيد كرامته عبر العمل.
الاهم في هذه التجربة، ان العمل لم يكن شكليا او استغلاليا، بل جزءا من مسار تكويني حقيقي، يمكن السجناء من تعلم الزراعة، والحصول على دبلومات وشهادات، تؤهلهم للاندماج الاقتصادي بعد الافراج. وبهذا، انتقل السجن من مؤسسة لاعادة انتاج الجريمة، الى فضاء لاعادة بناء الانسان.
لكن الاثر لم يتوقف عند حدود الاصلاح الجنائي، بل امتد الى البعد الاستراتيجي للدولة. فاشراك السجناء في الانتاج الفلاحي، ساهم في تعزيز الامن الغذائي، وتقليص الاعتماد على الاستيراد الخارجي، في بلد يخوض معركة سيادة حقيقية، ليس فقط على المستوى السياسي، بل ايضا على المستوى الاقتصادي والغذائي.
هذه المقاربة تكشف ان الاصلاح الحقيقي، يبدأ حين يمتلك المسؤول فلسفة للحياة. فلسفة ابراهيم تراوري، لا ترى في السجين عدوا للمجتمع، بل فردا اخطأ، ويمكن اصلاحه. فلسفة تقوم على الامل بدل الموت، والادماج بدل الاقصاء، والعمل بدل الانتظار العقيم.
وحين يوضع الرجل المناسب في المكان المناسب، تتحول مؤسسة العقاب الى مؤسسة للتغيير الايجابي. فالسجن، في هذا النموذج، لم يعد مجرد رقم اعتقال، وسجل جنائي، بل محطة انتقال من الهشاشة الى الفاعلية، ومن الهامش الى المساهمة.
ان تجربة ابراهيم تراوري، تفتح نقاشا عميقا حول معنى العدالة في دول الجنوب، وحول الحاجة الى تجاوز المقاربات الزجرية المستوردة، وبناء نماذج نابعة من الواقع، ترى في الانسان طاقة قابلة للاصلاح، لا عبئا دائما.
هكذا تتحول العدالة، من مجرد تطبيق للعقوبة، الى مشروع مجتمعي، يجعل من الانسان محورا، ومن العمل اداة للتحرر، ومن السجن بداية جديدة، لا نهاية مظلمة.




