المغرب

موريتانيا تُعيد رسم التوازن الإقليمي برفضها فتح “سفارة البوليساريو” في نواكشوط

في خطوة لافتة تحمل دلالات سياسية عميقة، وجهت موريتانيا صفعة قوية لجبهة البوليساريو بعد رفضها القاطع طلب فتح ما يسمى “سفارة” للكيان الانفصالي في نواكشوط، وهو قرار يعكس تحوّلاً استراتيجياً في مقاربة موريتانيا للعلاقات الإقليمية، يقوم على الواقعية السياسية والابتعاد عن الصراعات المفتعلة التي لم تجلب للمنطقة سوى التوتر وعدم الاستقرار.

القرار الموريتاني لا يمكن قراءته فقط في بعده الدبلوماسي، بل هو إعلان واضح عن نهاية مرحلة “الحياد السلبي” التي طالما تبنتها نواكشوط تجاه قضية الصحراء المغربية، وتأكيد على رغبتها في ترسيخ موقف متوازن ينسجم مع منطق الشرعية الدولية ومع مصالحها الوطنية والأمنية. فموريتانيا التي تتقاطع حدودها مع منطقة الساحل والصحراء، تدرك أن استمرار النزاع المفتعل يخدم أجندات معادية للاستقرار الإقليمي، ويُغذي الإرهاب والتهريب والهجرة غير النظامية.

ويأتي هذا الموقف في سياق تزايد عزلة جبهة البوليساريو على الساحة الدولية، بعد سلسلة من الانتكاسات السياسية والدبلوماسية، وفقدانها دعم عدد من الدول الإفريقية التي كانت تعترف بما يُسمى “الجمهورية الصحراوية”. فحتى حلفاؤها التقليديون أصبحوا يدركون عبثية استمرار دعم مشروع انفصالي ولد في سياق الحرب الباردة، ولا يملك أي مقومات سياسية أو قانونية للبقاء.

من جهة أخرى، يعكس القرار الموريتاني إدراكاً متزايداً لمكانة المغرب كشريك استراتيجي محوري في المنطقة، سواء على المستوى الأمني أو الاقتصادي. فالعلاقات الثنائية بين الرباط ونواكشوط شهدت خلال السنوات الأخيرة دينامية جديدة قوامها التعاون في مكافحة الإرهاب وتأمين الحدود وتعزيز المبادلات التجارية، وهو ما يجعل من المنطقي أن تنأى موريتانيا بنفسها عن أي مشروع قد يُهدد هذه الشراكة المتنامية.

أما جبهة البوليساريو، فإنها تجد نفسها اليوم في مأزق سياسي ودبلوماسي حقيقي، بعدما انفضّ عنها الدعم الخارجي، وتزايدت الأصوات داخل مخيمات تندوف المنددة بالفساد وسوء التسيير وغياب الأفق. وبينما كانت تراهن على خلق اختراق في محيطها الإقليمي، جاء القرار الموريتاني ليقضي على ما تبقى من أوهامها السياسية.

إن ما حدث في نواكشوط ليس حدثاً عابراً، بل إشارة قوية إلى أن منطق الواقعية بدأ يفرض نفسه في المنطقة، وأن عهد المناورات الانفصالية بدأ يقترب من نهايته، لصالح مقاربة تنموية وأمنية شاملة يكون التعاون المغاربي ركيزتها الأساسية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى