المغرب

أمطار سوس ماسة تعيد تشكيل روزنامة الإنتاج الفلاحي بين تعثر الجني وبروز الزراعة الشتوية


أعادت التساقطات المطرية القوية التي شهدتها جهة سوس ماسة خلال الأسابيع الأخيرة طرح أسئلة جديدة حول مستقبل الأنماط الإنتاجية الفلاحية بالمنطقة، خاصة في ظل سياق مناخي يتسم بعدم الاستقرار وتوالي سنوات الجفاف، ما جعل من هذه الأمطار حدثًا مزدوج الأثر، جمع بين الإكراهات الآنية والفرص الهيكلية على المدى المتوسط. فمن جهة، تسببت الرطوبة المرتفعة وصعوبة الولوج إلى الحقول في إبطاء وتيرة جني بعض المزروعات، وعلى رأسها الفلفل، وهو محصول استراتيجي في النسيج الفلاحي للجهة، ومن جهة أخرى فتحت هذه التساقطات غير المسبوقة في هذا التوقيت الباب أمام تجربة دورة إنتاج شتوية لم تكن ممكنة في السابق إلا بشكل محدود جدًا.
هذا التحول يعكس بداية تصدع في النموذج التقليدي المعتمد على دورات إنتاج مرتبطة بفصول شبه مستقرة، وهو نموذج بات مهددًا بفعل التقلبات المناخية الحادة التي لم تعد استثناءً ظرفيًا، بل أصبحت معطى بنيويًا يفرض على الفاعلين الفلاحيين إعادة النظر في اختياراتهم التقنية والزراعية. فتعطل عمليات الجني، رغم ما يحمله من خسائر قصيرة الأمد مرتبطة بتأخر التزويد وارتفاع كلفة اليد العاملة، كشف في المقابل عن قدرة التربة المحلية، عند توفر الرطوبة، على احتضان إنتاج شتوي كان يُنظر إليه سابقًا باعتباره مخاطرة غير محسوبة.
ويبدو أن بعض المنتجين، خاصة أولئك الذين راكموا تجربة في التكيف مع ندرة المياه واعتماد تقنيات السقي الموضعي، سارعوا إلى استثمار هذه الظروف الاستثنائية لإطلاق تجارب إنتاج خارج الروزنامة التقليدية، في محاولة لاقتناص فرص جديدة داخل السوق الوطنية والتصديرية، حيث تعرف المنتجات الشتوية طلبًا متزايدًا وأسعارًا أكثر استقرارًا. غير أن هذا التحول لا يخلو من تحديات، إذ يظل رهينًا باستمرارية التساقطات وتوفر البنيات التحتية الكفيلة بتصريف المياه وحماية المزروعات من الأمراض الفطرية المرتبطة بالرطوبة المرتفعة.
وتطرح هذه الدينامية الجديدة إشكالًا أعمق يتعلق بمدى جاهزية السياسات الفلاحية لمواكبة التحولات المناخية المتسارعة، خاصة في مناطق كانت تُصنَّف تقليديًا ضمن المجالات شبه الجافة. فنجاح الدورة الشتوية، إن تأكدت نتائجه، قد يدفع نحو إعادة هيكلة البرمجة الفلاحية الجهوية، وتوسيع البحث الزراعي ليشمل أصنافًا أكثر ملاءمة للزراعة خارج المواسم المعتادة، مع ما يستلزمه ذلك من دعم تقني ومواكبة مالية للفلاحين، خصوصًا الصغار منهم.
في المحصلة، تكشف أمطار سوس ماسة عن مفارقة واضحة: فهي تعرقل إيقاع الإنتاج القائم، لكنها في الوقت نفسه تفتح أفقًا جديدًا لإعادة التفكير في علاقة الفلاحة بالزمن والمناخ، وتؤكد أن التحدي لم يعد في انتظار عودة “الطقس الطبيعي”، بل في القدرة على بناء نماذج إنتاج مرنة تستوعب اللايقين المناخي وتحوّله، قدر الإمكان، إلى فرصة تنموية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى