المغرب

أطباء القطاع الخاص يرفضون المقتضى الجديد لمشروع قانون التأمين التكميلي: مخاطر تضارب المصالح أم فرصة للإصلاح؟


أثار المقترح الوارد في المادة 44 من مشروع قانون 54.23 بشأن التأمين التكميلي للمرض، جدلاً واسعاً في أوساط القطاع الصحي الخاص بالمغرب، بعد أن رفض أطباء القطاع الخاص السماح للهيآت المكلفة بالتأمين التكميلي، سواء التعاضديات أو شركات التأمين، بإنشاء أو تسيير أو امتلاك مؤسسات تقدم خدمات صحية مباشرة للمواطنين. ويأتي هذا الرفض استناداً إلى مخاوف الأطباء من أن يؤدي المقتضى إلى تضارب صارخ للمصالح ومنافسة غير مشروعة، قد تهدد استقلالية المهنة ومبدأ المنافسة العادلة في القطاع الصحي.
ويرى الأطباء أن السماح للهيآت التأمينية بإدارة مؤسسات صحية قد يحوّلها من جهة مانحة للتأمين إلى منافس مباشر للمؤسسات الطبية الخاصة، وهو ما قد يخل بالتوازن بين الأطراف، ويضع الأطباء في مواجهة ضغوط تسعيرية وتسويقية لا تتماشى مع ممارسة الطب وفق المعايير المهنية والأخلاقية. كما يخشون أن يؤدي هذا المقتضى إلى التحكم في أسعار الخدمات الطبية بطريقة غير شفافة، بما يؤثر على حرية المريض في الاختيار ويضعف المنافسة بين مقدمي الخدمات الصحية.
من جهة أخرى، يعتبر المؤيدون لهذا المقتضى أن السماح للهيآت التأمينية بامتلاك وإدارة مؤسسات صحية قد يسهم في تحسين ولوج المواطنين إلى الرعاية الصحية، خصوصاً في المناطق التي تعرف نقصاً في المرافق والخدمات الطبية. فهم يرون أن هذه الخطوة يمكن أن تساهم في تنظيم القطاع، وخلق شبكة متكاملة تربط بين التأمين والرعاية الصحية، مع إمكانية خفض تكاليف الخدمات وضمان مراقبة جودة الأداء الطبي عبر مؤسسات مرتبطة بالهيآت التأمينية.
غير أن التحليل العميق للموقف يظهر أن المعادلة ليست سهلة؛ فبين حرص الأطباء على استقلالية المهنة وحماية مصالحهم، وبين محاولة القانون إيجاد حلول لتعزيز التغطية الصحية وتحسين الأداء المؤسسي، هناك تحديات تنظيمية كبيرة. فالمسألة تتعلق ليس فقط بالجانب الاقتصادي أو التجاري، بل بالبعد الأخلاقي والمهني، حيث قد يفرض الجمع بين التأمين وإدارة المؤسسات الصحية ممارسات قد لا تتفق مع أخلاقيات الطب والمصلحة الفضلى للمريض.
ويشير خبراء القانون الصحي إلى أن أي خطوة من هذا النوع يجب أن ترافقها ضوابط صارمة للشفافية، ومراجعة دقيقة لممارسات الهيآت التأمينية، مع فصل واضح بين نشاط التأمين ونشاط تقديم الخدمات الصحية، لتفادي تضارب المصالح وحماية حقوق المرضى والأطباء على حد سواء. كما يشددون على ضرورة استشارة جميع الأطراف المعنية قبل المصادقة على أي مقتضى، لضمان توافقه مع النظام الصحي الوطني وتحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية للمؤسسات والتزامها بالمعايير الطبية.
في النهاية، يطرح هذا النقاش أكثر من سؤال جوهري حول مستقبل القطاع الصحي الخاص في المغرب: هل يمكن الجمع بين التأمين وإدارة المؤسسات الصحية دون المساس باستقلالية المهنة؟ وهل سيؤدي هذا المقتضى إلى تحسين الخدمات الطبية للمواطن أم سيخلق تحديات جديدة على صعيد المنافسة وحماية حقوق المرضى؟ يبقى الجواب رهيناً بالحوار المتواصل بين المشرع، والأطباء، والهيآت التأمينية، لضمان أن يخرج القانون في صورة متوازنة تلبي مصالح كل الأطراف، دون المساس بالمعايير المهنية أو جودة الخدمات الصحية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى