آسفي بين الإهمال والسياسات الردعية: دروس مأساة أم مجرد خطاب تقني؟
مرة أخرى، تعيد كارثة الفيضانات في مدينة آسفي طرح سؤال جوهري عن جدوى الخطط الحكومية وأولوية حماية المواطنين. ففي الوقت الذي تستعد فيه الوزارة لإطلاق دراسات جديدة وتوسيع المصب، يظل الشارع المغربي متسائلاً: لماذا لم تُنجز هذه الإجراءات قبل وقوع المأساة؟ ولماذا كانت الوقاية غائبة حين كان بالإمكان تفادي سقوط الضحايا؟
تصريحات المسؤولين، وخصوصاً الوزير نزار بركة، التي ركزت على مشاريع مستقبلية وأرقام وخطط، تصطدم بتجربة المواطنين المباشرة التي تكشف عن ضعف الحكامة وتراكم الإهمال. اللغة التقنية، مهما غلفتها المصطلحات، لا تخفف من وقع الكارثة، ولا تعيد الثقة المفقودة بعد سنوات من الوعود دون نتائج ملموسة.
ما حدث في آسفي ليس مجرد حادث مناخي أو ظرف استثنائي؛ إنه نتيجة تراكمية لغياب التخطيط الاستباقي، وعدم ربط المسؤولية بالمحاسبة، وضعف الاستثمارات في البنية التحتية الحيوية. أي مقاربة سياسية أو إدارية لا تعترف بهذه الحقيقة ستكون مجرد صدى فارغ يضاف إلى سجل الإخفاقات السابقة.
الدرس الأساسي الذي ينبغي استخلاصه: حماية المدن والمواطنين لا يمكن أن تكون حكراً على الدراسات المستقبلية أو البيانات الإحصائية، بل تتطلب قرارات عاجلة ومسؤولة، ومحاسبة صارمة لكل تقصير، قبل وقوع الكارثة. السياسات الحقيقية هي التي تمنع سقوط الأرواح قبل أن تُغرق المياه الشوارع، وليس تلك التي تأتي بعد الجفاف لتعطي خطاباً تقنياً يجيد التجميل.
في هذا الإطار، تُذكّر مأساة آسفي بأن المدن المغربية بحاجة إلى إصلاحات جذرية في الحكامة وتفعيل آليات المحاسبة والمراقبة المستمرة، وليس مجرد بيانات وخطط على الورق. فالأولوية الآن يجب أن تكون حماية الأرواح وضمان البنية التحتية الأساسية، قبل أي حسابات سياسية أو تجميلية.
الآثار المأساوية في آسفي تكشف هشاشة إدارة المخاطر في المغرب، وتعيد النقاش إلى أساسيات الحكم الرشيد: الوقاية قبل الكارثة، والمحاسبة قبل التصريحات، والعمل قبل البيانات. أي محاولة لتجميل الفشل تحت عناوين دراسات ومشاريع مستقبلية لن تُقنع المواطنين، ولن تمحو الدروس المستخلصة من دماء الضحايا وأثر المياه الجارفة.




