نزار بركة يعود إلى الوطن… بعد إجازة طويلة داخل الحكومة”

في السياسة المغربية، هناك مواهب نادرة لا تحتاج إلى إعلان: القدرة على البقاء داخل الحكومة، ثم العودة إلى الشعب وكأن شيئًا لم يحدث.
نزار بركة خرج علينا هذه المرة بخطاب جديد، أو لنقل “نسخة محدثة” من نفسه: العودة إلى الوطن، محاربة الشناقة، وإنهاء الفراقشية، وكأن الرجل كان في مهمة خارج البلاد طوال خمس سنوات، وليس داخل قلب الحكومة نفسها.
السؤال البسيط الذي يفرض نفسه بسخرية ثقيلة:
أين كنتَ خلال هذه السنوات يا نزار؟
هل كنت في بعثة أممية سرّية؟
هل كنت في دراسة ميدانية عن ارتفاع الأسعار؟
أم كنت فقط داخل نفس الحكومة التي يُفترض أنك الآن “ستنقذها منها”؟
المفارقة أن الخطاب يُقدَّم اليوم وكأن هناك “حكومة” و“شعب”، وكأن الوزير يكتشف فجأة أن هناك مضاربة وغلاء، رغم أنه كان يجلس في نفس الطاولة التي تُدار منها السياسات العمومية. بل أكثر من ذلك، كان جزءًا من أغلبية حكومية يقودها عزيز أخنوش، حيث كانت البيانات تُكتب، والقرارات تُتخذ، والوعود تُعلن… ثم تُنسى في اليوم التالي.
الطريف في الأمر أن “العودة إلى الوطن” هنا لا تحتاج إلى جواز سفر سياسي، لأن الرجل لم يغادره أصلًا. هو فقط غيّر الخطاب: من “نحن داخل الحكومة وننجح” إلى “نحن مع المواطن وسنحارب الحكومة… التي نحن فيها”.
أما الشناقة والفراقشية، فبدا وكأنهم ظهروا فجأة في السوق الأسبوعي من كوكب آخر، وليسوا نتيجة سياسات سوق واقتصاد وإدارة استمرت سنوات. وكأن الغلاء كان يتصرف وحده، بلا حكومة، بلا وزراء، بلا توقيعات.
في الواقع، لا أحد يطلب من السياسي أن يكون ساحرًا. لكن حين يتحول عضو في الحكومة إلى “معارض للواقع الذي شارك في صناعته”، يصبح المشهد أقرب إلى مسرحية فيها ممثل واحد يغيّر قناعه في منتصف العرض ويطلب من الجمهور التصفيق وكأنه شخصية جديدة.
السخرية هنا ليست في الخطاب فقط، بل في الذاكرة السياسية القصيرة التي يُفترض أن تُنسينا أن “العودة إلى الوطن” لا معنى لها إذا كان صاحبها لم يغادر مقعد القرار أصلًا.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يضحك بمرارة:
هل عاد نزار بركة فعلًا إلى الوطن… أم أنه فقط اكتشفه متأخرًا داخل الحكومة نفسها؟




