المغرب

عندما تكشف التسريبات حقيقة المرتزقة: سقوط أسطورة “المناضل المستقل”

في عالم الارتزاق السياسي والإعلامي، لا تكمن الخطورة فقط في حجم الأكاذيب التي تُسوَّق للرأي العام، بل في قدرة أصحابها على ارتداء الأقنعة لفترات طويلة، وإقناع البعض بأنهم أصحاب قضية، بينما هم في الحقيقة مجرد أدوات تُدار عن بُعد لخدمة أجندات شخصية وانتقامية لا علاقة لها بالنضال أو بحرية التعبير.

هذا بالضبط ما كشفت عنه التسريبات الأخيرة المنسوبة إلى مجموعة “أطلس هاكرز”، والتي لم تفضح فقط جانباً من العلاقات الخفية بين هشام جيراندو والمهدي حيجاوي، بل عرّت نموذجاً كاملاً من العمل القائم على التبعية والارتزاق وتوزيع الأدوار داخل منظومة تتغذى على التشهير والاستهداف الممنهج للمؤسسات الوطنية.

لسنوات طويلة، حاول هشام جيراندو تقديم نفسه في صورة المعارض المستقل الذي يتحرك وفق قناعاته الخاصة، ويوجه خطابه انطلاقاً من ما يدعي أنه دفاع عن الحقيقة. غير أن التسريبات الأخيرة نسفت هذه الرواية من أساسها، بعدما أظهرت وجود سلطة فعلية تمارس الوصاية والتوجيه من وراء الستار، وتتعامل مع جيراندو باعتباره مجرد منفذ لتعليمات تصدر من جهات أخرى.

فاللافت في هذه التسريبات ليس مجرد مضمون العتاب الذي وجهه المهدي حيجاوي إلى هشام جيراندو، بل طبيعة العلاقة التي ظهرت بين الطرفين. فبدل أن يكون الحديث بين شخصين متساويين في القرار، بدا الأمر أقرب إلى محاسبة تابع ارتكب خطأً تنظيمياً بعدما خالف تعليمات رئيسه وكشف اسمه دون إذن مسبق.

وهنا تسقط واحدة من أكبر الأساطير التي حاول هذا الثنائي تسويقها لسنوات، وهي أسطورة “الاستقلالية”. لأن الشخص المستقل لا ينتظر الإذن لذكر أسماء شركائه، ولا يخضع للتوبيخ بسبب تصريح إعلامي، ولا يسارع إلى تقديم التبريرات والاعتذارات عندما يغضب منه من يقف فوقه في هرم القرار.

الأخطر من ذلك أن التسريبات كشفت أن الخطاب الموجه للرأي العام يختلف جذرياً عن النقاشات الدائرة في الكواليس. ففي العلن نبرة تحدٍّ وصراخ وشعارات كبرى، أما في الخفاء فحسابات دقيقة وخوف دائم من الانكشاف وحرص مبالغ فيه على إخفاء الأدوار الحقيقية للمتورطين في هذه الشبكة.

إن هذه المفارقة تكشف جوهر الارتزاق السياسي؛ فالمسألة لا تتعلق بالدفاع عن مبادئ أو قضايا، وإنما بإدارة مشروع قائم على الإثارة والابتزاز واستثمار الكذب لتحقيق مصالح خاصة. ولذلك يصبح الحفاظ على السرية وإخفاء الرؤوس المدبرة ضرورة وجودية، لأن كشفها يعني انهيار الرواية بأكملها أمام المتابعين.

كما أن التسريبات الأخيرة أعادت التأكيد على حقيقة أخرى طالما حاول أصحاب هذا المشروع إخفاءها، وهي أن ما يجمعهم ليس الإيمان بقضية مشتركة، بل وحدة المصلحة ووحدة الحقد على المؤسسات الوطنية. فحين تغيب المبادئ وتحضر الحسابات الشخصية، يصبح الخلاف بين أفراد الشبكة نفسها أكثر خطورة من خلافهم مع خصومهم.

لقد كشفت التسجيلات ما كان مخفياً خلف سنوات من الضجيج الإعلامي: وجهاً آخر يقوم على التبعية والخوف والارتباك وانعدام الثقة. وهي صورة تختلف تماماً عن تلك التي حاول هشام جيراندو والمهدي حيجاوي رسمها لأنفسهما أمام الجمهور.

وفي النهاية، فإن أخطر ما في هذه التسريبات ليس ما قاله هذا أو ذاك، بل كونها كشفت للمغاربة أن من قدموا أنفسهم كأصحاب مشروع نضالي لم يكونوا سوى شبكة مترابطة من المصالح والأحقاد الشخصية، وأن الخطاب الذي تم تسويقه لسنوات باعتباره دفاعاً عن الحقيقة لم يكن في كثير من الأحيان سوى غطاء لعمليات تشهير ممنهجة وأجندات تخريبية تحركها اعتبارات الارتزاق والانتقام أكثر مما تحركها أي قناعة مبدئية أو وطنية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى