المغرب

المغاربة… بين طهران وتل الربيع: كوميديا السياسة اليومية


في المغرب، يبدو أن السياسة أصبحت رياضة جماعية فردية، كل مواطن يلعبها بطريقته، وكل واحد له فريقه المفضل، لكن الفرق هنا لا تجلس في الملاعب ولا ترفع شعارات، الفرق موجودة في المقاهي، على فيسبوك، في الواتساب، وحتى في الحفلات العائلية. هناك من يرفع شعار إيران، ويرتدي اللون الأخضر الافتراضي، ويكتب اقتباسات عن المقاومة والتحرير والعدالة العالمية، وهناك من يرفع شعار إسرائيل، ويتباهى بأنه يرى الأمور “واقعية” و”منطقية”، ويعلق على كل قضية كأنها مباراة شطرنج دولية، بينما الغريب أن الاثنين يجلسان أحيانًا على نفس الطاولة، يشربان نفس القهوة، ويتبادلان نفس النكتة عن السياسة، وكأن السياسة في المغرب أصبحت مسلسلًا كوميديًا أكثر من كونها جدلية حقيقية.
المشكلة ليست في الانحياز نفسه، بل في طريقة التعبير عنه: واحد يكتب منشورًا من عشر سطور عن إيران، كل سطر يفيض حبًا للثورة والمقاومة، ويستشهد بحادثة في غزة، ويعلق على كل تصريح لإسرائيل كما لو كان محللاً دوليًا، بينما الآخر يرد من هاتفه بثلاث سطور: “الواقع أقوى من الشعارات”، ويضيف صورة كاريكاتورية لتل أبيب، ويبتسم في نهاية الأمر وكأنه الوحيد الذي فهم السياسة بعمق، بينما الحقيقة أن كلاهما يضحك على نفسه وعلى الآخر بنفس الوقت.
وفي هذا المسرح، تتشكل قواعد غريبة: كل نقاش سياسي يمكن أن يتحول إلى لعبة ضغط، كل نقاش عن فلسطين أو إيران أو إسرائيل يتحول إلى “تبادل نكات سياسية”، وكأن التاريخ كله أصبح مادة للضحك والتهكم، والنتيجة أن المواطن المغربي يعيش حربًا عالمية في الذاكرة، وكوميديا محلية على الطاولة، حيث الأيديولوجيا تتغير حسب اليوم، وحسب من يشارك في النقاش، وحسب المزاج الرمضاني أو العطلة الصيفية.
الأكثر متعة في المشهد هو أن كلا الفريقين يعرف أنه لا يمكنه تغيير الآخر، لكنه يستمتع بمحاولة الإقناع، وكأن النقاش السياسي أصبح رياضة كلامية ترفيهية، كل واحد يلعب دور المحلل، المحامي، والقاضي في آن واحد، بينما الدولة، الإعلام، والواقع يبقون في الخلفية، يشاهدون هذا المسرح الهزلي، ويضحكون سرًا على مدى قدرة المغاربة على تحويل الصراعات الدولية إلى مسرحية كوميدية يومية.
في النهاية، السياسة في المغرب ليست عن الانحيازات الكبيرة ولا عن الحروب البعيدة، بل عن مهارة المزج بين الجدية والسخرية، بين الطموح والضحك، بين الرغبة في التغيير وبين القبول بالواقع، وبين أن تكون مؤمنًا بإيران، ومعجبًا بإسرائيل، وكل هذا دون أن تفقد صديقك الذي يجلس بجانبك على نفس الطاولة ويشاركك نفس الشاي والتمر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى