النيابة العامة بطنجة تتحرك ضد فيديوهات مفبركة عن فيضانات القصر الكبير

لم تعد الكوارث الطبيعية وحدها ما يهدد الإحساس الجماعي بالأمن، بل باتت “الكارثة الرقمية” عنصرًا موازيا لا يقل خطورة. فبين صورة حقيقية وأخرى مُولَّدة، قد يُصنع الذعر، وقد تُضخَّم الوقائع، وقد تتحول مدينة بأكملها إلى مسرح دمار افتراضي. هذا ما دفع النيابة العامة بطنجة إلى فتح بحث قضائي على خلفية تداول مقاطع فيديو مضللة تزعم وقوع خسائر جسيمة بمدينة القصر الكبير بسبب التساقطات المطرية الأخيرة.
المقاطع المتداولة، التي حصدت انتشارًا واسعًا على منصات التواصل الاجتماعي، حاولت تقديم صورة كارثية لا تعكس الوضع الحقيقي على الأرض. غير أن المعطيات الأولية للبحث كشفت أن هذه المواد البصرية لا تمت للواقع بصلة، بل جرى إنشاؤها باستعمال تقنيات الذكاء الاصطناعي، في محاولة واضحة لتضليل الرأي العام وبث معلومات مغلوطة في ظرف دقيق.
ولا تقتصر خطورة هذا النوع من المحتوى على التضليل البصري فقط، بل تمتد إلى خلق حالة من الهلع غير المبرر، وإرباك مجهودات السلطات، وضرب الثقة في المعطيات الرسمية، خاصة في سياق يتسم بالحساسية المرتبطة بالأحوال الجوية والتدخلات الميدانية لحماية المواطنين.
فتح البحث القضائي يندرج، بحسب مصادر مطلعة، ضمن مقاربة صارمة تنتهجها النيابة العامة للتصدي لظاهرة الأخبار الزائفة، خصوصًا حين تتقاطع مع استعمال تقنيات حديثة قادرة على تزوير الواقع بصريًا وإقناع المتلقي بوقائع لم تحدث أصلًا. وهو ما يطرح بإلحاح سؤال المسؤولية القانونية والأخلاقية لمستعملي هذه التقنيات، وحدود “حرية النشر” حين تتحول إلى أداة للتشويش والتضليل.
وتعيد هذه الواقعة إلى الواجهة تحديًا جديدًا تفرضه الطفرة الرقمية، حيث لم يعد التحقق من الأخبار مسألة صحفية فقط، بل ضرورة مجتمعية، في زمن يمكن فيه لفيديو مفبرك أن ينتشر أسرع من الحقيقة، وأن يترك أثرًا أعمق من الوقائع ذاتها.
بين الواقع والافتراض، وبين الخبر والمحتوى المصنوع، يبقى الرهان معقودًا على يقظة المؤسسات، ووعي المواطنين، حتى لا تتحول التكنولوجيا من أداة للتقدم إلى وسيلة لصناعة الخوف.




