المغربفاس

العيد موسم الفرح للمغاربة… وموسم النهب المنظم في النقل العمومي!

مع اقتراب كل عيد أو مناسبة دينية، يتكرر المشهد نفسه في مختلف مدن المغرب: آلاف المواطنين يستعدون للعودة إلى أسرهم، فيما تستعد بعض شركات النقل ومستغلي سيارات الأجرة لتحويل المناسبة إلى فرصة ذهبية لتحقيق أرباح استثنائية على حساب جيوب البسطاء.

في محطة النقل بفاس، كما في محطات أخرى عبر المملكة، لم يعد المواطن يبحث عن تذكرة سفر فقط، بل أصبح يبحث عن تفسير لهذا الارتفاع الجنوني في الأسعار. تذاكر ترتفع بشكل مفاجئ قبل أيام قليلة من العيد، وحقائب تؤدى عنها رسوم إضافية، ومقاعد أمامية تباع وفق منطق الامتيازات لا وفق أسبقية الحجز، بينما يجد المسافر نفسه مضطراً للقبول بالأمر الواقع لأنه لا يملك بديلاً.

ولا يقتصر الأمر على الحافلات فقط، بل يمتد إلى سيارات الأجرة الكبيرة التي تعرف بدورها زيادات غير مبررة. فخط فاس – تاونات الذي يبلغ ثمنه القانوني حوالي 35 درهماً، أصبح بعض السائقين يفرضون فيه 70 درهماً للمقعد الواحد، أي ضعف التسعيرة تقريباً، بينما تغيب السيارات التي تحترم الثمن الأصلي. أما بالنسبة لخط فاس – غفساي، فقد وصلت التسعيرة في بعض الحالات إلى 80 درهماً، في مشهد يتكرر كل عيد دون أي تدخل حقيقي لوقف هذه الممارسات.

أما المسافر المتوجه من فاس إلى أرفود، فيجد نفسه مطالباً بأداء أكثر من 160 درهماً بعد احتساب الزيادات المفروضة على التذاكر ورسوم الأمتعة، رغم أن السعر المعتاد للرحلة لا يتجاوز 120 درهماً. كما يشتكي المواطنون من فرض أكثر من 10 دراهم على كل حقيبة، وكأن المسافر أصبح مطالباً بأداء ضريبة إضافية على أمتعته فوق ثمن التذكرة.

ولا تقف المعاناة عند حدود الأسعار. فالكثير من الحافلات تتعامل مع الركاب بمنطق الربح السريع، فتقلص التوقفات الضرورية خلال الرحلة، ليس حرصاً على راحة المسافرين، بل من أجل ربح الوقت والعودة بسرعة إلى المحطة لشحن الحافلات بركاب جدد وتحقيق المزيد من الأرباح. كما يتم حجز المقاعد الأمامية وبيعها بأثمان إضافية، حتى لو كان المواطن أول من اقتنى التذكرة.

الأخطر من ذلك أن هذه الممارسات لم تعد استثناءً أو تجاوزات فردية، بل أصبحت قاعدة موسمية معروفة لدى الجميع. المواطن يعرف أنه سيدفع أكثر، والمهنيون يعرفون أنهم سيفرضون الزيادات، والسلطات تعرف أن الأمر يتكرر في كل عيد ومناسبة، لكن لا أحد يتحرك لحماية المستهلك أو فرض احترام التسعيرات القانونية.

وعندما يخرج مسؤول حكومي أو وزير ليصرح بأحقية الزيادة في أسعار التذاكر خلال فترات الذروة، فإن الأمر لا يُفهم إلا باعتباره ضوءاً أخضر لاستمرار استنزاف جيوب المواطنين. فبدل حماية القدرة الشرائية للأسر، يصبح المواطن مطالباً بتحمل فاتورة إضافية فقط لأنه يريد قضاء العيد مع عائلته.

فأي دولة اجتماعية يمكن أن تقبل بأن يتحول التنقل بين المدن إلى عبء مالي ثقيل؟ وأي حماية للمستهلك حين يصبح المواطن مجبراً على دفع الضعف في سيارات الأجرة، وزيادات كبيرة في الحافلات، ورسوم إضافية على الأمتعة، فقط لأن مناسبة دينية أو وطنية تقترب؟

إن ما يحدث كل عيد ليس مجرد اختلال عابر في قطاع النقل، بل صورة مصغرة لواقع أصبح فيه المواطن الحلقة الأضعف دائماً. فكل مناسبة تتحول إلى فرصة للمضاربة، وكل حاجة أساسية تصبح مجالاً للربح السريع، بينما تغيب المراقبة والمحاسبة ويظل المواطن وحده من يؤدي الثمن.

لقد أصبح العيد بالنسبة لكثير من المغاربة مناسبة للقاء الأحبة، لكنه تحول أيضاً إلى موسم سنوي لرفع الأسعار والضغط على القدرة الشرائية للأسر، في ظل صمت رسمي يثير الكثير من الأسئلة حول من يحمي المواطن ومن يضع حداً لهذا النزيف المتكرر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى