بطاقة العامل الموسمي.. هل سيرتفع المؤشر أم سيظهر شيء آخر؟

يبدو أن «الحمامة» قررت أن تدخل موسم الانتخابات محمّلة بالبطاقات والوعود الاجتماعية، وهذه المرة من بوابة العمال الموسميين، باقتراح إحداث «بطاقة العامل الموسمي» التي يُفترض أن تضمن استمرار ارتباط العامل بالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، واحتساب فترات عمله ضمن مساره المهني ونقط التقاعد، حتى خلال الفترات التي يتوقف فيها عن العمل، طبعاً مع ذلك الشرط الصغير الذي يأتي دائماً في آخر الجملة: بشرط أداء الاشتراكات.
ومن حيث المبدأ، لا أحد يمكنه الاعتراض على حماية حقوق العمال الموسميين، فهؤلاء يشتغلون عندما يجدون العمل، ويتوقفون عندما ينتهي الموسم، ثم يعودون إلى رحلة البحث عن موسم آخر. لكن المشكلة تبدأ عندما نتذكر أن العامل الموسمي ليس موظفاً براتب قار ينتظر نهاية الشهر، بل إن دخله نفسه موسمي، بينما يبدو أن بعض الالتزامات لا تعرف معنى كلمة «موسمي»!
وهنا تبدأ الكوميديا الحقيقية.
فالمواطن المغربي الذي أصبح يتعامل مع «المؤشر» وكأنه يتعامل مع عدّاد سري لحياته الاجتماعية، يعرف جيداً أن بضعة دراهم قد تتحول إلى قضية تستحق الحساب. قد يذهب المواطن ليعبئ هاتفه بعشرة دراهم فقط، فإذا بالمؤشر يتحرك، وإذا بالدعم الذي كان ينتظره، والمحدد في 500 درهم، يصبح مهدداً بالضياع!
يعني المواطن يقول: «أنا غير عمرت الهاتف بعشرة دراهم»، والمؤشر يجيبه: «آسف، لقد تحسنت وضعيتك الاقتصادية»!
عشرة دراهم فقط، وإذا بالمواطن يكتشف أنه ربما أصبح في نظر المؤشر أكثر غنى مما كان يعتقد. الهاتف امتلأ بعشرة دراهم، لكن الحسابات الاجتماعية قد تفرغ جيبه من 500 درهم. وهنا لا يسع المواطن إلا أن يضحك، لأن البكاء أصبح مكلفاً هو الآخر!
والآن جاءت بطاقة العامل الموسمي.
وهنا قد يقول المواطن، وهو يضع البطاقة في محفظته بحذر: «مادام عشرة دراهم قادرين على تحريك المؤشر، فماذا ستفعل بي بطاقة العامل الموسمي؟»
ربما لن يكون المؤشر هو الذي سيصعد هذه المرة، وربما ستصعد شيء آخر!
فالخوف الحقيقي ليس من البطاقة في حد ذاتها، وإنما من أن تتحول كل بطاقة جديدة إلى حساب جديد، وكل تسجيل إلى مؤشر جديد، وكل حق اجتماعي إلى شرط جديد. العامل يريد حماية حقوقه، نعم، لكنه يريد أيضاً أن يعرف: ماذا سيحدث عندما ينتهي الموسم ولا يعود هناك راتب؟ ومن سيؤدي الاشتراكات؟ وهل سيظل العامل مستفيداً من الحماية الاجتماعية أم سيجد نفسه أمام لائحة جديدة من الشروط؟
لأن العامل الموسمي إذا انتهى عمله، لا تنتهي معه فاتورة الكراء، ولا مصاريف الطعام، ولا الكهرباء، ولا مصاريف الأبناء. وحده الراتب هو الذي يختفي في نهاية الموسم، أما المصاريف فتواصل عملها طوال السنة، وكأنها موظفون دائمون لا يعرفون الإضراب ولا العطلة.
وهنا بالضبط تصبح الوعود الانتخابية بحاجة إلى شرح أكثر من مجرد إطلاق أسماء جميلة عليها. «بطاقة العامل الموسمي» اسم جميل، و«حماية المسار المهني» عبارة أجمل، لكن المواطن يريد أن يعرف ماذا سيجد في جيبه في نهاية المطاف.
فلا معنى لمسار مهني محفوظ على الورق إذا كان العامل لا يجد ما يؤدي به اشتراكاته خلال فترة البطالة. ولا معنى لبطاقة اجتماعية إذا كانت ستتحول إلى سبب جديد لارتفاع المؤشر، أو إلى بوابة لاكتشاف أن المواطن، بطريقة سحرية، أصبح مؤهلاً لفقدان شيء آخر!
وهكذا يجد المواطن نفسه أمام معادلة عجيبة: تعبئة الهاتف بعشرة دراهم قد تجعل المؤشر يرتفع، وارتفاع المؤشر قد يحرمه من دعم بقيمة 500 درهم، ثم تأتي بطاقة العامل الموسمي، فيبدأ المواطن بالتساؤل: واش المؤشر غيطلع هاد المرة ولا غنطلع شي حجة خرى؟
إنها ليست مسألة رفض لفكرة حماية العمال الموسميين، بل العكس تماماً؛ هؤلاء يستحقون حماية حقيقية وحقوقاً واضحة، لكن الحماية الاجتماعية لا ينبغي أن تتحول إلى متاهة من المؤشرات والاشتراكات والشروط التي تجعل المواطن يخاف من كل درهم يدخل حسابه، ومن كل بطاقة جديدة تحمل اسمه.
والأحزاب، وهي تستعد للموسم الانتخابي، تبدو وكأنها دخلت سوقاً كبيرة للوعود: هذا يعد برفع السميك إلى 5000 درهم، وذاك يقترح بطاقة للعامل الموسمي، وآخر يرد بأن الوعود مجرد بيع للوهم، ثم تبدأ حرب التصريحات، بينما المواطن يراقب كل ذلك ويقول: «الله يجعل هاد الوعود تدخل للجيب كما تدخل للتصريحات».
فالمواطن لا يريد أن يصبح خبيراً في المؤشرات حتى يحصل على حقه، ولا يريد أن يحمل بطاقة إضافية ثم يكتشف أنها تحتاج إلى بطاقة أخرى لشرح كيفية استعمالها. يريد فقط أن يعمل، وأن يحصل على أجر يحفظ كرامته، وأن تبقى حقوقه الاجتماعية محفوظة عندما ينتهي العمل.
أما إذا كان كل موسم انتخابي سيأتي ببطاقة جديدة، ومؤشر جديد، وشرط جديد، فقد نصل في النهاية إلى وضع يحتاج فيه المواطن إلى محفظة خاصة للبطاقات، وآلة حاسبة للمؤشرات، وحاسوب لفهم الشروط، ودعاء مستجاب حتى لا يرتفع شيء آخر!
وفي انتظار أن تتضح تفاصيل بطاقة العامل الموسمي، يبقى السؤال الشعبي مشروعاً: إذا كانت عشرة دراهم قادرة على رفع المؤشر وتهديد دعم بـ500 درهم، فماذا ستفعل بنا بطاقة كاملة؟
ربما مايطلعش المؤشر هذه المرة…
ربما غيطلع المواطن شيء آخر!




