خرج علينا الوزير بخبر يبعث على التفاؤل أكثر من نشرات الأبراج: “أنابيك توصلت بـ100 ألف طلب تشغيل من المقاولات ولم تستطع تلبيتها”. سبحان الله! في بلد يتحدث الجميع فيه عن البطالة، اكتشفنا فجأة أن المشكل ليس في غياب الشغل، بل في غياب البشر أنفسهم.
تسعمائة ألف عاطل بدون شواهد، وعشرات الآلاف من حاملي الشهادات يطاردون مباريات التوظيف كما يطارد الأطفال سيارة المثلجات في الصيف، ومع ذلك هناك 100 ألف منصب شاغر لا يجد من يشغله. إنها معجزة اقتصادية تستحق الدراسة في الجامعات.
لكن عندما نحفر قليلا تحت العنوان اللامع، تظهر الحقيقة أقل رومانسية. فالكثير من هذه “المناصب” ليست وظائف بالمعنى الذي يفهمه البشر، بل عروض من نوع: خبرة سنتين، مستوى جيد، تنقل على حسابك، ساعات عمل طويلة، وأجر يكفي بالكاد لشراء بطاقة الحافلة التي ستنقلك إلى مكان العمل.
ثم يأتون ليسألوك باستغراب: لماذا لا يقبل الشباب؟
الغريب أن بعض المقاولات تريد عاملا يجمع بين مهارات المهندس والطبيب والمحاسب والحارس الليلي وسائق الشاحنة، لكنها تريد دفع أجر متدرب في أول يوم له في الحياة المهنية. وعندما لا تجد هذا الكائن الأسطوري، تشتكي من نقص اليد العاملة.
أما “أنابيك”، تلك المؤسسة التي تحولت في مخيلة الكثير من العاطلين إلى وكالة وطنية لتوزيع عقود التدريب المؤقت، فما زالت تسوق نفس الوصفة منذ سنوات: سطاج، ثم سطاج، ثم سطاج آخر، وبعدها سطاج إضافي للتأكد من أنك أتقنت فن السطاج.
جيل كامل أصبح يملك خبرة في البحث عن الخبرة.
وفي كل مرة يقال لنا إن الحل يكمن في التكوين. جميل. لكن السؤال البسيط الذي يطرحه العاطلون منذ سنوات: ما هي هذه التخصصات السحرية التي يوجد عليها طلب حقيقي؟ وأين هي الدراسات المفصلة التي تخبر الشباب منذ الإعدادي أو الثانوي بما يحتاجه سوق الشغل فعلا؟
أم أن الأمر يشبه توقعات الطقس: قد تمطر وقد لا تمطر، وقد تحتاج السوق إلى هذه المهنة وقد لا تحتاجها.
ثم إن التركيز الدائم على أصحاب “اللا شواهد” يثير سؤالا آخر: وماذا عن مئات الآلاف من أصحاب الإجازات والماستر والدكتوراه؟ هل أصبحوا خارج الرادار؟ هل المطلوب منهم أن يعلقوا شواهدهم على الحائط وينتظروا دورهم في الإحصائيات القادمة؟
في النهاية، يبدو أن المغرب يعيش مفارقة فريدة: المقاولات تبحث عن العمال، والعمال يبحثون عن الشغل، والدولة تبحث عن تفسير، بينما الجميع يقفون في نفس القاعة ولا يستطيع أحد أن يرى الآخر.
أما المواطن البسيط، فقد صار يشك في الأرقام كما يشك في أسعار الأغنام قبل العيد. كلما سمع عن 100 ألف منصب شغل جديد، تذكر تلك المشاريع الكبرى التي لم ير منها سوى اللافتة الإشهارية.
ربما المشكلة ليست في أن اليد العاملة غير موجودة، بل في أن الشغل الكريم أصبح هو المهنة النادرة في سوق الشغل المغربي.

