وضعت التسريبات المدوية الأخيرة التي نشرتها مجموعة “أطلس هكرز”، والمتعلقة بمحادثات سرية بين المسمى هشام جيراندو وشخص يُدعى “مجد”، (وضعت) خطابه الرقمي وشعاراته المرفوعة على محك المساءلة الأخلاقية والمهنية؛ فالمادة الصوتية المسربة لم تعد مجرد تفصيل عابر في مسار الرجل، بل أضحت مؤشراً قوياً يعيد فتح ملف طالما أثار الجدل حول الحدود الفاصلة بين المواقف المبدئية المسوقة للجمهور، وبين ما يدور في كواليس الغرف المغلقة من براغماتية مصلحية؛ حيث يظهر جيراندو في تفاعل منساب مع مصدره الذي يدعي النفوذ والقرب من جهاز (DGED)، منخرطاً بأريحية تامة في نقاشات تفاوضية تهم تعديل المحتوى الرقمي، الحذف، إعادة التوجيه، بل وحتى صياغة اعتذارات “تحت الطلب”، مما يحول منصاته من فضاء لـ “محاربة الفساد” إلى مساحة للتفاوض المفتوح وإعادة ترتيب المواقف بحسب تذبذب المعادلات والوعود.
وتتخذ السردية المنبثقة عن هذه التسريبات أبعاداً أكثر قتامة عند التوقف عند التلميحات المرتبطة ببعث “هدية” لزوجته عبر شقيقها، وهي تفاصيل تخدم بالأساس بناء صورة نمطية تقدم الرجل كفاعل قابل للتأثير الخارجي، يُدار بالوعود والمصالح الشخصية الضيقة لا بالمبادئ الثابتة؛ إن خطورة ما تم كشفه لا ينحصر في كونه زلة تقديرية، بل يكمن في التناقض الصارخ والهامش الشاسع بين خطاب علني مرتفع السقف يعزف على أوتار “الضمير الحي”، وبين مرونة كواليس مستعدة لمقايضة الخط التحريري وبوصلة اللسان بمجرد ظهور وعود بالقرب من دوائر القرار، مما يسقط قناع الاستقلالية المطلقة التي طالما تستر خلفها الهارب من العدالة المغربية، ويضع الرأي العام أمام حقيقة “المحاكم الافتراضية” التي تدار بخلفيات توجيهية نفعية.
وأمام هذه الحقائق المتواترة، تتهاوى السرديات الشعاراتية التي رُوّجت لسنوات، لتترك مكانها لأسئلة مباشرة حول مدى صمود ادعاءات النزاهة أمام اختبار الكواليس؛ فالمفارقة اليوم لم تعد مرتبطة باختلاف القراءات، بل بظهور بوادر “صفقات” تحركها رغبة البحث عن المصلحة الذاتية على حساب مصداقية النقاش المسؤول.
إن هذه الواقعة الرقمية تؤكد مرة أخرى أن منظومة “الإعلام الفوضوي” المعتمدة على الإثارة، تظل عاجزة عن الصمود أمام مبدأ الوضوح والواقعية، وأن القضاء والمؤسسات الرسمية الوطنية يظلان وحدهما الكفيلين بالحسم في القضايا الجنائية والملفات الاستراتيجية، بعيداً عن كواليس المقايضات الرقمية والاتجار بالمعطيات لغايات شخصية مكشوفة.

