Site icon جريدة صفرو بريس

موسم الوعود الكبرى.. مليون فرصة شغل هنا و2500 درهم هناك!

مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يبدو أن الساحة السياسية المغربية دخلت رسمياً موسم الحصاد العظيم للوعود. موسم لا يحتاج إلى أمطار ولا إلى سدود ولا إلى استثمارات، بل يكفي فيه مؤتمر صحفي وميكروفون وبعض الحماس الحزبي حتى تنبت ملايين مناصب الشغل في الهواء الطلق.

آخر الوافدين على سوق الوعود هو الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، نبيل بنعبد الله، الذي تعهد برفع الحد الأدنى للدعم الاجتماعي المباشر إلى 1000 درهم بدل 500 درهم الحالية، مع تعميمه على الأسر المحتاجة، فضلاً عن التزام حزبه بخلق مليون و400 ألف منصب شغل إذا كان ضمن الحكومة المقبلة.

تصريح محترم من حيث الطموح، لكن المغاربة لهم مشكلة صغيرة مع الأرقام الكبيرة. فكلما خرج حزب سياسي ليتحدث عن مئات الآلاف أو ملايين مناصب الشغل، إلا وظل معدل البطالة واقفاً في مكانه وكأنه موظف جماعي ينتظر الترقية منذ عشرين سنة.

ولعل الأجدر بالرفيق نبيل، من باب الاحتياط السياسي، أن يعود إلى بعض الشعارات الاشتراكية الكلاسيكية التي أثبتت قدرتها على المناورة التاريخية. فبدل الحديث عن مليون و400 ألف منصب شغل، يمكن مثلاً رفع شعار: “من يعمل يأكل، ولكل حسب عمله”. شعار واسع ومرن، يسمح بهامش كبير من التأويل إذا تعقدت الظروف الاقتصادية أو إذا قررت الأرقام أن تتمرد على البرامج الانتخابية.

بل يمكن الذهاب أبعد من ذلك وإحياء الشعار الخالد: “الاشتراكية هي البديل والتضحية هي السبيل”. وهكذا، إذا انتهت الولاية الحكومية دون تحقيق الوعود، يمكن بكل أريحية عقد ندوة صحفية وإخبار المواطنين بأنهم “أبلو البلاء الحسن”، وأن تضحياتهم الجسام لم تذهب سدى، بل ساهمت في وضع الحجر الأساس للمخططات الخماسية الاقتصادية التي ستؤتي أكلها ربما في القرن المقبل.

لكن الإنصاف يقتضي القول إن الرفيق نبيل ليس وحده في هذا المضمار. ففي الأمس القريب خرج حزب رئيس الحكومة عزيز أخنوش بوعود لا تقل طموحاً، متحدثاً عن زيادات مهمة في الدخل وعن تحسين الأوضاع الاجتماعية، بل إن بعض التصريحات ذهبت إلى حد ربط المصداقية السياسية بتحقيق تلك الوعود.

واليوم، بعد سنوات من الجدل حول الأسعار والمحروقات والقدرة الشرائية، يجد المواطن نفسه أمام معادلة غريبة: الدعم بالملايين يتجه إلى قطاعات ومقاولات كبرى، بينما تستمر الأسر البسيطة في البحث عن تخفيضات موسمية في الأسواق وكأنها تبحث عن كنز أثري مفقود.

في النهاية، لا أحد يمنع الأحزاب من الحلم، ولا أحد يعترض على الطموح، لكن المواطن المغربي أصبح خبيراً في قراءة البرامج الانتخابية. فهو يعرف أن بعض الوعود تشبه عروض التخفيضات الخيالية على مواقع التسوق: الصورة جذابة جداً، أما عند الاستلام فتكتشف أن المقاس مختلف تماماً.

وإلى أن يحين موعد الانتخابات، سيظل سوق الوعود مفتوحاً على مصراعيه: مليون فرصة شغل هنا، وألف درهم هناك، و2500 درهم في الجهة المقابلة، بينما يجلس المواطن أمام المشهد مبتسماً ويقول بلهجته البسيطة:

“المهم… كل فمو هذاك يقول اللي بغا!”

Exit mobile version