لم يعد الاستيراد في المغرب يُختزل في لحظة عبور الحاوية من الميناء، ولا في ختم الإفراج الجمركي الذي كان، إلى وقت قريب، يُعلن نهاية اهتمام الدولة بالسلعة. فقانون المالية لسنة 2026 جاء ليقلب هذه القاعدة بهدوء، عبر إجراء يبدو تقنيًا في صياغته، لكنه عميق في دلالته: تتبّع البضاعة بعد دخولها التراب الوطني، لا الاكتفاء بتفتيشها عند البوابة.
إلزام المستوردين بالتصريح المسبق بأماكن تخزين أو تحويل السلع ليس مجرد إضافة إدارية إلى التصريح الجمركي، بل إعلان غير مباشر عن نهاية مرحلة وبداية أخرى. مرحلة كانت فيها الجمارك حارسًا للحدود فقط، ومرحلة جديدة تريد فيها الدولة أن تكون شاهدة على مسار البضاعة داخل الاقتصاد الوطني، من الميناء إلى السوق.
هذا التحول لم يأت من فراغ. فالتجربة العملية كشفت أن جزءًا كبيرًا من الغش لا يحدث عند التصريح الأولي، بل بعد الإفراج: بضائع تُخزَّن في أماكن غير معلنة، تُحوَّل عن وجهتها الأصلية، أو تدخل في دوائر توزيع لا تظهر في أي وثيقة رسمية. وهنا، تصبح الجمارك عمياء بعد العبور، فيما تتشكل حلقة اقتصاد خفي تُفلت من الضرائب والمراقبة والجودة.
من هذا المنطلق، يمكن قراءة المادة 19 مكرر كاعتراف تشريعي بأن المعركة الحقيقية لم تعد عند الحدود، بل داخل التراب الوطني. ولذلك جاء التشديد، وجاءت الغرامات التي قد تصل إلى 60 ألف درهم، ليس فقط كوسيلة ردع، بل كإشارة سياسية واضحة: الدولة تريد أن تعرف أين تذهب البضائع، ومن يتصرف فيها، وتحت أي شروط.
غير أن هذا الخيار، رغم وجاهته من زاوية محاربة الغش والتهرب الجمركي، يفتح نقاشًا حساسًا حول حدود الرقابة. فحين يُطالَب المستورد بالتصريح المسبق بكل مواقع التخزين أو التحويل، فإن منطق الثقة يتحول إلى منطق افتراض الاشتباه. وهو منطق قد يكون مبررًا أمام شبكات منظمة، لكنه يصبح إشكاليًا إذا طُبّق بنفس الصرامة على فاعلين صغار يشتغلون بهوامش ضيقة وإمكانات محدودة.
الرهان الحقيقي، إذن، لا يكمن في جمع المعطيات بقدر ما يكمن في إدارتها. فإذا تحولت هذه التصريحات إلى مجرد خانات تُملأ داخل النظام المعلوماتي للجمارك دون تحليل أو تقاطع أو استثمار ذكي، فإن الإجراء سيفقد معناه ويتحول إلى عبء بيروقراطي إضافي. أما إذا أُدمج ضمن رؤية شاملة تربط الجمارك بالضرائب ومراقبة السوق، فقد يشكل خطوة نوعية نحو ضبط سلاسل الاستيراد والتوزيع، وحماية الاقتصاد الوطني من التشوهات الصامتة.
في المحصلة، لا يسعى قانون المالية لسنة 2026، من خلال هذا الإجراء، إلى معاقبة الاستيراد، بل إلى إعادة تعريفه. فالاستيراد لم يعد حدثًا حدوديًا، بل مسارًا اقتصاديًا كاملاً. والسؤال الذي سيحسم الجدل ليس في نص القانون، بل في كيفية تنزيله: هل سيكون أداة تنظيم ذكية، أم مجرد حلقة جديدة في سلسلة التعقيد الإداري؟
من مراقبة الحدود إلى تتبّع المسار: حين قرر قانون المالية ملاحقة البضاعة بعد دخولها

