لم يعد ملف استيراد اللحوم بالمغرب مجرد إجراء ظرفي لتجاوز أزمة ظرفية في القطيع الوطني، بل تحوّل تدريجيًا إلى نموذج صارخ لاختلال السياسات العمومية حين تُدار دون مراقبة صارمة، ودون ربط الامتيازات بالمحاسبة. فبدل أن يشكل الاستيراد أداة لضبط الأسعار وحماية القدرة الشرائية، أضحى في حالات كثيرة مدخلًا لتراكم أرباح خيالية لفئة محدودة، على حساب المستهلك، وبدعم غير مباشر من الدولة نفسها.
خلال السنوات الأخيرة، فتحت السلطات المغربية باب استيراد اللحوم الحمراء والبيضاء والأبقار الحية، مرفوقًا بإعفاءات ضريبية وتسهيلات جمركية، تحت مبرر تأمين السوق وتفادي الندرة. غير أن غياب آليات التتبع والشفافية في مسار التسعير، حوّل هذا التدخل العمومي إلى ما يشبه “شيكًا على بياض” بيد بعض المستوردين، الذين لم يترجموا الامتيازات إلى انخفاض فعلي في الأسعار، بل إلى هوامش ربح غير مسبوقة.
المعطيات المتداولة في أوساط مهنيين ومراقبين تكشف فجوة صادمة بين كلفة الاستيراد وسعر البيع النهائي. فالكيلوغرام الواحد من اللحوم المستوردة من السوق البرازيلية يصل إلى الموانئ المغربية بأثمان منخفضة نسبيًا، لكن ما إن يدخل قنوات التوزيع الداخلية حتى تتضاعف الأسعار دون سند منطقي مرتبط بالنقل أو التخزين أو التبريد. هذه الفجوة لا يمكن تفسيرها بقوانين العرض والطلب، بل تشير إلى خلل بنيوي في ضبط السوق.
الأمر لا يتوقف عند حدود التسعير المرتفع، بل يمتد إلى إشكالات أخطر تتعلق بجودة المنتوج ومصداقية المعطيات المقدمة للمستهلك. ففي الأسواق الدولية، تخضع اللحوم لتصنيفات دقيقة حسب عمر الحيوان ونوعه وجودته، وهي معايير تؤثر مباشرة في السعر. غير أن ضعف المراقبة عند الاستيراد والتسويق الداخلي يفتح الباب أمام تمرير لحوم منخفضة الجودة على أنها منتوج عالي القيمة، مستغلين صعوبة التتبع بالنسبة للمواطن العادي.
وتُطرح هنا أسئلة مقلقة حول سلامة منظومة المراقبة، خصوصًا حين يتعلق الأمر باللحوم الموجهة لسوق يُولي أهمية كبرى لمعيار “الحلال”. فالتسويق التجاري لهذا الوصف، دون ضمانات صارمة وشفافة، لا يمس فقط بحق المستهلك في المعلومة، بل يهدد الثقة في سلسلة كاملة يفترض أن تقوم على الأمانة والالتزام.
كما تسجل في هذا القطاع ممارسات غير أخلاقية داخل مسار الصفقات نفسها، حيث يتم أحيانًا الالتفاف على وسطاء أو شركاء مهنيين بعد استنفاد خبرتهم ومعرفتهم بالسوق، في سلوك يعكس منطق “الضربة والهرب” بدل بناء علاقات تجارية مستدامة. هذه التصرفات لا تسيء فقط لسمعة الفاعلين المغاربة في الخارج، بل تضعف موقع المغرب التفاوضي في أسواق دولية استراتيجية.
في المحصلة، يظل المواطن المغربي الحلقة الأضعف في هذه المعادلة المختلة. فهو يدفع ثمن سياسات غير محروسة، وسوق لا تُدار بقواعد المنافسة الشريفة، ودعم عمومي لا يصل إلى هدفه الاجتماعي. ومع ذلك، يُطلب منه الثقة في منظومة لم توفر له لا السعر العادل ولا المعلومة الدقيقة.
إن إعادة الاعتبار لقطاع استيراد اللحوم لا تمر عبر مزيد من البلاغات الرسمية، بل عبر قرارات واضحة: ربط الإعفاءات بهوامش ربح معقولة، فرض الشفافية في مسار التسعير، تشديد المراقبة على الجودة والتصنيف، وتجريم كل أشكال التدليس والمضاربة. فالأمن الغذائي ليس مسألة كميات فقط، بل قضية ثقة وعدالة وحماية للمصلحة العامة.
وما لم يُكسر هذا المنطق الريعي، سيظل الاستيراد وسيلة لإثراء القلة، بدل أن يكون أداة لحماية القوت اليومي للمغاربة.
من السوق الدولية إلى مائدة المغاربة: كيف تحوّل استيراد اللحوم إلى قناة ريع بلا رقابة؟

