Site icon جريدة صفرو بريس

منابر إفريقيا تُغلق الباب في وجه الكيانات الوهمية


في السياسة، ليست كل الهزائم تُعلن عبر البيانات الرسمية، فبعضها يُقرأ في الكراسي الفارغة، وفي الدعوات التي لم تصل، وفي الأسماء التي اختفت من لوائح المشاركين. وهذا بالضبط ما حدث خلال قمة “أفريقيا تمضي قدماً” المنعقدة في كينيا، حيث وجدت جبهة البوليساريو نفسها خارج القاعة، وخارج الصورة، وخارج السياق الإفريقي الجديد الذي بدأ يتشكل بعيداً عن شعارات الحرب الباردة وأوهام “الجمهوريات الورقية”.
الجزائر، التي استثمرت لعقود في تسويق الطرح الانفصالي داخل بعض المنصات القارية، حاولت بكل ثقلها السياسي الدفع نحو حضور الجبهة الانفصالية في هذا المحفل الإفريقي-الدولي، غير أن المنظمين، وخصوصاً باريس التي شاركت بقوة في هندسة التوجه العام للقمة، اختاروا منطق الدولة لا منطق الميليشيا، ومنطق الشراكات الاقتصادية الواقعية لا خطابات النزاع المستهلكة. فتم حصر المشاركة في الدول المعترف بها داخل الأمم المتحدة، إلى جانب الفاعلين الاقتصاديين الحقيقيين القادرين على المساهمة في مشاريع التنمية والاستثمار والتكامل القاري.
الأمر لا يتعلق فقط بإجراء بروتوكولي أو تنظيمي، بل بتحول سياسي عميق تعرفه القارة الإفريقية. فإفريقيا اليوم لم تعد تبحث عن معارك الستينيات والسبعينيات، بل عن الموانئ، والربط الطاقي، والاستثمارات، والأمن الغذائي، والتكنولوجيا، والبنيات التحتية. ولهذا أصبح من الصعب تسويق كيان يعيش على المساعدات والشعارات داخل قارة تحاول إعادة تعريف مصالحها وفق منطق الربح والتنمية والاستقرار.
اللافت أيضاً أن كينيا، التي كانت في مراحل سابقة أقرب إلى الطرح الجزائري، تبدو اليوم أكثر ميلاً إلى المقاربة البراغماتية التي تضع المصالح الاقتصادية والعلاقات الاستراتيجية فوق الحسابات الإيديولوجية القديمة. وهذا التحول ليس معزولاً، بل ينسجم مع دينامية إفريقية متسارعة باتت ترى في المغرب شريكاً محورياً في ملفات الاستثمار والطاقة والهجرة والأمن والتعاون جنوب-جنوب.
أما الاعتراف الفرنسي المتزايد بسيادة المغرب على صحرائه، فقد منح هذا التحول زخماً إضافياً، وأعاد ترتيب التوازنات داخل عدد من المنصات الدولية والإفريقية. فحين تبدأ القوى المؤثرة في التعامل مع ملف الصحراء بمنطق الواقعية السياسية، تصبح الكيانات الانفصالية عبئاً دبلوماسياً أكثر منها “قضية تحرر” كما كان يُروَّج سابقاً.
غياب البوليساريو عن قمة بهذا الحجم، بحضور عشرات القادة الأفارقة وصناع القرار الاقتصادي، يحمل رسالة واضحة: إفريقيا الجديدة لا تريد أن تكون رهينة نزاعات مصطنعة تُعطل التنمية وتُستهلك في خطابات العداء. القارة تتحرك نحو المستقبل، بينما لا يزال البعض يحاول جرّها إلى أرشيف الانقسامات القديمة.
لقد تغيّرت اللغة داخل إفريقيا. لم تعد الأسئلة تُطرح حول “من يمثل ماذا؟”، بل حول “من يبني ماذا؟”. وفي هذا التحول تحديداً، يجد المغرب نفسه في موقع متقدم، بينما تتراجع الأطروحات التي لم تعد تملك سوى الضجيج الإعلامي وبعض البيانات الغاضبة التي لا تغيّر شيئاً في موازين الواقع.

Exit mobile version