لم يعد ملف الانتهاكات المزعومة بحق مرشحين للهجرة غير النظامية بمدينة الفنيدق مجرد واقعة معزولة، بل بات اختبارًا حقيقيًا لمدى جدية التعاطي المؤسساتي مع شكايات تمسّ حقوق الإنسان في سياق أمني شديد الحساسية. فقرار النيابة العامة بتطوان وضع عون سلطة رهن الحراسة النظرية، وتوسيع دائرة البحث لتشمل أعوانًا آخرين ورجال سلطة، يعكس تحوّلًا لافتًا في مسار التعاطي مع هذا النوع من الملفات.
التحقيق الجاري، الذي انتقل من الشبهة الفردية إلى البحث في مسؤوليات محتملة متعددة، يضع جهاز السلطة المحلية أمام مساءلة غير معتادة، خاصة في منطقة حدودية تُدار عادة بمنطق أمني صارم تفرضه ضغوط الهجرة غير النظامية وتداعياتها الإقليمية.
تطور الملف جاء متزامنًا مع تعدد الشكايات، إذ لم تعد الاتهامات مقتصرة على سوء المعاملة، بل امتدت إلى مزاعم تتعلق بسلب أموال مهاجرين أجانب، وهو ما منح للقضية بعدًا جنائيًا واضحًا، فرض على النيابة العامة توسيع دائرة الاستماع والتحقيق، بعيدًا عن المعالجات الإدارية المحدودة التي وُصفت سابقًا بأنها غير كافية.
غير أن ما يثير الانتباه في هذا السياق، هو الذاكرة القريبة للمدينة نفسها، حيث أعادت هذه القضية إلى الواجهة أحداث شتنبر 2024، التي وُثّقت خلالها تدخلات وُصفت آنذاك بالعنيفة في حق مهاجرين حاولوا اجتياز السياج الحدودي. ورغم فتح تحقيق رسمي حينها، ظل الرأي العام دون أجوبة واضحة حول مآل تلك الملفات، ما خلق انطباعًا عامًا بغياب الخلاصات والمحاسبة.
اليوم، يبدو أن الملف يسير بسرعة غير معهودة، سواء عبر التوقيف المؤقت، أو التفتيش، أو تمديد الحراسة النظرية، وهو ما يطرح سؤالًا مركزيًا: هل نحن أمام تحوّل فعلي في طريقة تدبير شكايات الانتهاكات، أم أن الأمر مرتبط فقط بضغط إعلامي وتراكم شكايات يصعب تجاهلها؟
في جميع الحالات، فإن قضية الفنيدق تتجاوز الأشخاص المعنيين بها، لتلامس نموذج تدبير ملف الهجرة غير النظامية برمته، والتوازن الدقيق بين متطلبات الأمن واحترام الحقوق، وبين منطق السلطة ومنطق المحاسبة.
ما ستكشفه التحقيقات المقبلة لن يحدد فقط مصير المتابعين، بل سيحدد أيضًا ما إذا كانت هذه القضية تشكل قطيعة مع مرحلة الصمت، أم مجرد استثناء سرعان ما يُطوى مع الزمن.
ملف الفنيدق… عندما تتحول شكايات المهاجرين إلى اختبار فعلي لجدية المحاسبة

