ما وقع لتلاميذ مدارس الفرصة الثانية بمدينة فاس لا يمكن اعتباره حادثًا عابرًا ولا سوء تفاهم إداري بسيط، بل هو مؤشر خطير على عبثٍ في تدبير فضاءات عمومية وحقوق تربوية يفترض أنها محمية بالقانون وبسياسات الدولة نفسها.
هؤلاء التلاميذ حُرموا من ساعتين مخصصتين للرياضة، بذريعة أنهم ينظمون دوريًا في شهر رمضان، رغم أن مباريات الدوري لا تنطلق إلا بعد الساعة الرابعة عصرًا، أي خارج التوقيت الذي مُنعوا فيه من الولوج. والأدهى من ذلك أنهم يتوفرون على الترخيص القانوني الذي يخول لهم استعمال الملعب، ومع ذلك وجدوا أنفسهم أمام باب مغلق، بلا سند قانوني ولا قرار مكتوب يبرر هذا المنع.
الأمر لم يتوقف عند حدود الإغلاق غير المبرر، بل تطور إلى ما هو أخطر: سبٌّ وشتمٌ واعتداء لفظي وصل إلى حد سبّ الذات الإلهية، وفي شهر رمضان، من طرف شخص مكلف بفتح باب الملعب. واقعة خطيرة أخلاقيًا وقانونيًا، تستدعي فتح تحقيق عاجل لتحديد المسؤوليات وترتيب الجزاءات، لأن من يُفترض فيه خدمة المرفق العمومي لا يملك حق الإهانة ولا التطاول، ولا سلطة المنع المزاجي.
ولم يقف العبث عند هذا الحد، إذ تم التهديد الصريح بحرمان التلاميذ من استعمال الملعب حتى خارج شهر رمضان، في سلوك يعكس منطق العقاب والانتقام لا منطق التدبير، وكأننا أمام مجال يُدار بقانون القوة والهوى، لا بقواعد المرفق العمومي. تهديدات تُطلق بلا حرج، وكأن المدينة تُحكم بعقلية “المافيا” حيث القرار فردي، والمزاج فوق القانون، والحق يُمنح ويُسحب بحسب الولاء لا بحسب الاستحقاق.
الأكثر إثارة للقلق هو الغموض الذي يلف تسيير هذا الملعب:
من المسؤول عنه فعليًا؟
هل هو مرفق عمومي أم ملكية خاصة تُدار بمنطق “هذا لي أفعل فيه ما أشاء”؟
وبأي صفة يصرّح أحد المكلفين بأنه “سيُقفل الملعب”، وكأننا أمام تركة ورثها لا أمام فضاء أُنشئ من المال العام لفائدة أبناء المدينة؟
كل هذا يحدث في الوقت الذي ترفع فيه الدولة شعار محاربة الهدر المدرسي، وتشجع على الإدماج التربوي والاجتماعي عبر الرياضة والأنشطة الموازية، خصوصًا لفائدة الفئات الهشة وتلاميذ الفرصة الثانية. فكيف نوفق بين خطاب رسمي يتحدث عن الإدماج، وممارسات ميدانية تُقصي وتُهين وتُفرغ تلك السياسات من معناها؟
ولا يقف هذا الملف عند حدود ملعب القرب فقط، بل يتجاوز ذلك إلى قضايا أخرى لا تقل خطورة، مرتبطة بكيفية تدبير الانتخابات داخل بعض الجمعيات، وطبيعة “التمثيلية” التي تُستعمل أحيانًا كغطاء لإقصاء المستفيدين الحقيقيين، وتحويل العمل الجمعوي من خدمة عمومية إلى أداة نفوذ وتصفية حسابات. إن ما جرى اليوم ليس سوى عرضٍ جانبي لاختلالات أعمق في التدبير، سيتم تفصيلها في مقالات لاحقة، بالأسماء والمعطيات، احترامًا لحق الرأي العام في المعرفة، ودفاعًا عن التلاميذ، وعن المال العام، وعن المرافق التي أُنشئت لخدمة الجميع لا لفئة بعينها.
هذه الرسالة ليست سوى تنبيه أولي وتحذير واضح:
العبث بتدبير المرافق العمومية، والتضييق على التلاميذ، والتعامل معهم بعقلية الحارس لا بعقلية المسؤول، لن يمرّ دون مساءلة. والملف لن يُغلق عند هذا الحد، لأن كرامة التلميذ وحقه في فضاء تربوي آمن ليسا امتيازًا يُمنح، بل حقًا لا يقبل العبث ولا التسويف.
ملعب القرب بأحد أحياء فاس… حين يتحول الحق التربوي إلى “ملكية خاصة”

