لماذا نحن متخلفون عن الركب الحضاري ؟؟؟ لماذا نحن خارج الزمن والتاريخ ، لماذا نحن في ذيل الأمم ، لماذا نحن همل من سقط المتاع … يقرر الكبار في أمورنا ونحن غياب ، ولا نستشار ونحن حضور.هم الأصل ونحن الصورة.
ويظل السؤال حارقا مستفزا ،جرحا نازفا يجافي البرء والشفاء،ساربا في صحراء التيه والتشظي :أين الخلل ؟؟ لماذا هذا الانحدار الحضاري والتخلف المدني والتبعية الذيلية للغرب؟؟؟
أسائل التاريخ والجغرافيا ،أسائل الفلسفة والمنطق والعلوم والمعارف والأفكار،وعوالم البحث والإبداع ،لم هذا الجفاء ؟؟؟؟لم هذا الصد والهجران ؟؟؟؟ أما كان بيننا صلة ونسب؟؟؟
بكائية على بكائية نسمعها منذ كنا صغارا ،نغمة نشاز على سلم مكسور .
ويبقى السؤال متمردا مشاغبا ،هل تخلفنا قدرا قاهرا ،وحتما لازما، هل المسلم مرادف للتخلف؟هل العربي ناقص الذكاء ،فائض الغباء؟…متى نستوي قياما ونشارك في فعل الحضارة ولا نبق في موقع المتفرج المستهلك ؟ الذي يأكل الغلة ويسب الملة.
راغمني الجواب وغاب، وصاحبني السؤال السنين ذوات العدد ،وأوشكت أن أقتنع أن التخلف صفة وجودية فينا،وسمت متجدر في أصولنا…..لافكاك.
منذ أيام خلت وأنا أتصفح أحدى مقالات الكاتب المصري الساخر:أحمد بهجت ،وقعت صدفة على الجواب… !!! أي والله وجدت سبب تخلفنا وانحدارنا….
إنه بكل بساطة : مادة الإنشاء أو التعبير بشقيه الكتابي والشفوي.
يطلب من التلميذ مثلا أن يكتب موضوعا عن رحلته إلى مدينة وليلي، وهو لم يرها قط ،ولم يشارك في رحلة قط،أو يكتب موضوعا عن البحر أوالغابة أو الأخلاق الحميدة …فيكتب ويعبر ،ويشطب وينقح ،ويزيد وينقص ….كلام في كلام وبالممارسة ،تكرس الكلام بديلا عن العمل وأصبح المهم هو ما تقول لاما تفعل ،والقاعدة هي الكلام والاستثناء هو الفعل .
كلنا إلا من رحم ربي يتحدثون بالإنشاء ويتكلمون بالشفوي:ننظر للأخلاق ونمارس الرداءة،نمدح الصدق ونمارس الكذب الصراح،نرفض بألسنتنا ونقبل بأيدينا…نقول كل شيء ولانفعل أي شيء….تناقض صارخ لكن يستقيم في العقل والوجدان.
تجد السياسي يخطب فينا بالإنشاء والصراخ بدل المصالح البرامج، والاقتصادي يحلل الوضعية المالية ويبهرك بالإنشاء والاستعراض عوض الأرقام والمؤشرات،والمهندس يتفنن بالإنشاء بدل التخطيط والتصميم، وكذا الموظف والأجير والطبيب والخياط والنجار والصباغ والجزار والخضار ….كلام في كلام ،لا ينتج فعلا ولا يثمر واقعا.
وهكذا انفصل القول عن الفعل ،وافترق الكلام عن العمل ولأن الكلام سهل يسير وغير مكلف
اتخذنا الكلام لغة ومنهجا وأسلوب حياة: أصواتنا بلا معنى ،كلامنا بلا غاية، نتعامل بالوهم ونشتري الوهم ونبيع الوهم وننتج الوهم ….ثم نتساءل:
لماذا نحن متخلفون عن الركب الحضاري ؟؟؟
لماذا نحن خارج الزمن والتاريخ ؟؟؟
لماذا نحن في ذيل الأمم ؟؟؟
أين حمرة الخجل ؟؟؟ قاتل الله الإنشاء اليوم وغدا.
لله ذركم من رجال مضوا كانون يعتبرون الكلام من صميم العمل ،لذلك قل كلامهم وبقيت آثارهم تدل على أعمالهم… فأين آثارنا ومنجزاتنا.
هنا والآن توقف القلم خجلا وحياء.