Site icon جريدة صفرو بريس

فيليبي السادس.. لا تكفي زيارة القبور لتجميل وجه الاستعمار

أكبر احترام لقبور الموتى أن ترد الحقوق إلى أصحابها، لا أن تتحول المقابر إلى منصات للصور المؤثرة والرسائل الدبلوماسية المصممة بعناية. وحين يزور الملك الإسباني فيليبي السادس سبتة ومليلية، ويقف أمام قبور المهاجرين في مشهد يستدعي التعاطف الإنساني، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ما قيمة هذه الرمزية إذا ظلت الملفات التاريخية المرتبطة بالسيادة والاستعمار خارج دائرة المعالجة الجادة؟

إن الموتى لا يحتاجون إلى مشاهد تمثيلية، ولا إلى خطابات تستثمر في عواطف الأحياء، بل يحتاج التاريخ إلى شجاعة الاعتراف، وإلى إرادة سياسية لا تختبئ خلف الطقوس الرسمية. فليس صعبا أن يقف مسؤول أمام قبر، وأن يلتزم الصمت لثوان أمام عدسات الكاميرات، لكن الأصعب هو مواجهة الأسئلة التي يطرحها التاريخ، والتعامل مع الحقوق المتنازع عليها باعتبارها قضايا تستحق النقاش، لا وقائع ينبغي على الطرف الآخر أن يتعايش معها إلى الأبد.

إن الرموز السياسية ليست منفصلة عن علاقات القوة والمصالح التي تحكم العالم. فالدول لا تستخدم الخطاب الإنساني دائما بمعزل عن حساباتها الاستراتيجية، وقد تتحول الصورة العاطفية إلى رأسمال رمزي يمنح السلطة مظهرا أخلاقيا، بينما تستمر الوقائع المادية التي صنعت الخلاف دون تغيير. وهنا تكمن المفارقة: أن يصبح المشهد الإنساني واجهة جذابة، فيما تظل الأسئلة المتعلقة بالأرض والسيادة والذاكرة التاريخية معلقة.

إن القضية ليست في زيارة القبور في حد ذاتها، فاحترام الموتى واجب إنساني، وإنما في محاولة اختزال المسؤولية التاريخية والسياسية في فعل رمزي. فالموقف الأخلاقي لا يقاس فقط بطريقة الوقوف أمام الضحايا، بل أيضا بالاستعداد لمواجهة الوقائع التي تجعل التاريخ حاضرا في علاقات الدول والشعوب. ولا يمكن للطقوس الرسمية أن تحل محل النقاش السياسي، كما لا تستطيع الصورة أن تنهي خلافا تاريخيا بمجرد أنها أثارت التعاطف.

وبالنسبة إلى المغرب، فإن ملف سبتة ومليلية يظل قضية مرتبطة بالذاكرة الوطنية والمطالبة التاريخية بالمدينتين. ولا يمكن اعتبار هذا الملف منتهيا لمجرد أن مدريد تجدد إعلان تمسكها بسيادتها عليهما. فإعلان الموقف شيء، وإنهاء الخلاف التاريخي والسياسي شيء آخر، وبينهما مسار طويل لا تختصره زيارة ملكية ولا تحسمه الكلمات أمام الكاميرات.

إن حسن الجوار لا يعني أن يتنازل طرف عن ذاكرته، ولا أن يتحول احترام العلاقات الثنائية إلى صمت عن الملفات العالقة. بل إن العلاقات الناضجة هي التي تسمح بمناقشة القضايا الصعبة دون إنكارها، وتمنح الحوار معنى يتجاوز المجاملات الرسمية إلى البحث عن حلول تحترم التاريخ ومصالح الشعوب.

لا يحتاج فيليبي السادس إلى زيارة القبور كي يثبت أن الموت يستحق الاحترام؛ فذلك أمر لا خلاف عليه. لكنه، مثل أي مسؤول يمثل دولة ذات ماض استعماري، لا يستطيع أن يجعل الرمزية الإنسانية بديلا عن مواجهة الأسئلة التاريخية. فالمشكلة لا تحل بتجميل صورتها، ولا تختفي بتغيير زاوية الكاميرا.

أكبر احترام لقبور الموتى أن ترد الحقوق إلى أصحابها، وأما حين تنتهي الزيارة وتبقى الملفات معلقة، فقد تتحول الرمزية الإنسانية إلى مسرحية تجميلية ورسالة مضللة للرأي العام، مهما بدا المشهد مؤثرا. فالتاريخ لا يطلب الدموع أمام القبور بقدر ما يفرض شجاعة أمام الحقيقة، والحقوق لا تستعاد بالمراسم، وإنما بإرادة سياسية تعترف بأن الماضي لم يصبح عادلا لمجرد أن الزمن مر عليه.

Exit mobile version