Site icon جريدة صفرو بريس

فاس بين الاستباق الأمني وتدبير المجال: حين يُصنع الأمن قبل وقوع الجريمة


في مدينة بحجم فاس وبتاريخها المتشعب وتعقيدها المجالي، لا يمكن اختزال مفهوم الأمن في مظاهر الحضور الظاهر أو في عدد التدخلات المسجلة، بل يُقاس أساسًا بقدرة المؤسسة الأمنية على التحكم في إيقاع المدينة، وقراءة مؤشرات الاختلال قبل أن تتحول إلى أفعال جرمية. ما تعرفه العاصمة العلمية في الآونة الأخيرة يعكس بوضوح تحوّلًا نوعيًا في الفلسفة الأمنية، من منطق التدخل اللاحق إلى منطق التدبير الاستباقي للمخاطر.
فاس، بما تختزنه من مدينة عتيقة ذات نسيج عمراني خاص، وأحياء حديثة ذات كثافة سكانية مرتفعة، فضلًا عن موقعها كحلقة وصل بين عدة جهات، تفرض تحديات أمنية مركبة. أي خلل، مهما بدا بسيطًا، قد يتضخم سريعًا إن لم تتم معالجته في لحظته. من هنا، تبرز أهمية الانتشار الأمني الذكي، المبني على المعطى الميداني لا على الارتجال، وعلى التحليل لا على ردود الفعل.
النجاعة الأمنية اليوم لم تعد رهينة بالكم، بل بالكيف. حضور موجه، تدخل محسوب، وانتشار يأخذ بعين الاعتبار الزمان والمكان وطبيعة التهديد المحتمل. لذلك، فإن التركيز على المحاور الحيوية ومنافذ المدينة ليس إجراءً شكليًا، بل اختيارًا استراتيجيًا يهدف إلى تجفيف منابع الجريمة، وحرمان الشبكات الإجرامية من حرية الحركة والمباغتة.
سنة 2025 شكلت محطة مفصلية في هذا السياق، حيث برز بوضوح تطور أساليب الاشتغال الأمني، عبر الانتقال من التعامل مع الجريمة كواقعة منتهية، إلى تفكيك شروط نشأتها. توقيف مطلوبين قبل تنفيذ أفعالهم، حجز وسائل خطيرة قبل استعمالها، ورصد تحركات مشبوهة في مراحلها الأولى، كلها مؤشرات على عمل استباقي يعتمد المعلومة الدقيقة وسرعة القرار.
لكن البعد الأهم في هذا التوجه يظل هو البعد المجتمعي. فالأمن الحقيقي لا يُقاس فقط بالإحصائيات، بل بالإحساس العام بالطمأنينة. حين يصبح الحضور الأمني عامل استقرار لا مصدر توتر، وحين تُمارَس السلطة في إطار القانون واحترام الحقوق، تتعزز ثقة المواطن، ويتحول إلى شريك ضمني في حماية محيطه.
بهذه المقاربة المتوازنة، تواصل ولاية أمن فاس تكريس نموذج أمني قائم على الحزم دون إفراط، والانفتاح دون تسيب، في معادلة دقيقة تحفظ للمدينة حيويتها، وتضمن لمواطنيها حقهم في الأمن والاستقرار. إنها معركة يومية هادئة، لا تُخاض بالشعارات، بل باليقظة الدائمة، والعمل الميداني المسؤول، وحضور الدولة في تفاصيل الحياة اليومية دون ضجيج.

Exit mobile version