Site icon جريدة صفرو بريس

غلاء الأسعار في المغرب: كل شيء يتغيّر إلا أجر العامل


في كل موجة غلاء جديدة، يجد المواطن المغربي نفسه أمام رواية جاهزة لتبرير ارتفاع الأسعار: مرة الندرة، مرة الجفاف، مرة الأمطار، مرة ارتفاع تكاليف الإنتاج، ومرة تقلبات أسعار النفط في الأسواق الدولية. تتبدل الأسباب بتبدل الفصول والظروف، لكن الثابت الوحيد هو أن الأسعار تواصل الصعود، بينما يظل الدخل، خصوصًا الحد الأدنى للأجور، حبيس مكانه، غير قادر على مجاراة واقع معيشي بات أثقل بثلاث مرات مما كان عليه قبل سنوات.
في المغرب، يشكّل السميك سقف الدخل بالنسبة لشرائح واسعة من الأجراء، بل يمثل في حالات كثيرة الحد الأقصى الممكن، لا الحد الأدنى المفترض. ومع ذلك، ظل هذا الأجر شبه جامد لسنوات طويلة، في وقت تضاعفت فيه أسعار المواد الغذائية الأساسية، وارتفعت كلفة السكن والنقل والعلاج والتعليم، وأصبحت الحياة اليومية عملية حساب دقيقة تنتهي غالبًا بالعجز قبل نهاية الشهر.
المفارقة الصارخة أن منطق “مواكبة التغيرات” يُستعمل بسخاء حين يتعلق الأمر بالصفقات العمومية أو المشاريع الكبرى. فالدولة لا تتردد في مراجعة كلفة الطرق، والبنيات التحتية، والخدمات، تبعًا لتغير أسعار المواد الأولية والطاقة والأجور. أما حين يصل النقاش إلى أجر العامل البسيط، فجأة تصبح الميزانية “غير قادرة”، والظرفية “صعبة”، والتوازنات “هشة”، وكأن القدرة الشرائية للمواطن عنصر ثانوي لا يدخل ضمن هذه التوازنات.
صحيح أن العوامل المناخية والاقتصادية تؤثر في الأسعار، لكن السؤال الجوهري هو: هل ما يحدث اليوم نتيجة حتمية لهذه العوامل، أم أن جزءًا كبيرًا منه يعود إلى غياب تدخل فعّال لحماية المستهلك؟ كيف يمكن أن تكون الأمطار سببًا لغلاء الخضر، والجفاف سببًا آخر، وارتفاع النفط سببًا ثالثًا، دون أن تُطرح بجدية مسألة المضاربة، وتعدد الوسطاء، وضعف المراقبة، وترك السوق يشتغل بمنطق الربح الأقصى على حساب العيش الكريم؟
الأكثر إثارة للتساؤل هو الغياب شبه التام لنقاش جدي حول تسقيف أسعار المواد الأساسية التي يستهلكها المواطن يوميًا. فالخبز، والحليب، والزيت، والخضر، والنقل، ليست كماليات يمكن تركها لمنطق العرض والطلب في مجتمع يعاني أصلًا من هشاشة الدخل. تسقيف الأسعار في هذه المجالات ليس إجراءً استثنائيًا ولا تهديدًا لاقتصاد السوق، بل أداة اجتماعية تلجأ إليها دول عديدة حين يصبح الغلاء خطرًا على الاستقرار الاجتماعي.
المعادلة الحالية مختلة بوضوح: أسعار تتحرك بسرعة السوق العالمية، وأجور تُدار بعقلية سنوات الألفينات. لا يمكن الحديث عن عدالة اجتماعية أو سلم اجتماعي في ظل هذا الاختلال المستمر. فإما أن تتم مراجعة حقيقية للحد الأدنى للأجور بما ينسجم مع الكلفة الفعلية للعيش، أو يتم اعتماد سياسات صارمة لتسقيف أسعار المواد الأساسية، أو الجمع بين الخيارين معًا. أما الاستمرار في تحميل المواطن كلفة كل أزمة، طبيعية كانت أو اقتصادية، دون أي تعويض ملموس، فلن يؤدي إلا إلى تعميق الفوارق الاجتماعية وتآكل الثقة في السياسات العمومية.
في النهاية، لا يطالب المواطن المغربي بامتيازات استثنائية، بل فقط بمنطق بسيط وعادل: إذا كانت كل الأرقام تتغير، فمن غير المعقول أن يبقى أجر العامل الرقم الوحيد الممنوع من التغيير.

Exit mobile version