Site icon جريدة صفرو بريس

عندما تتحول اليد العاملة الرخيصة إلى ميزة تنافسية… لماذا يغادر الشباب المغربي معامل “الكابلاج”؟

لم يعد مشهد مغادرة الشباب المغربي لمعامل “الكابلاج” بشكل جماعي مجرد حالات فردية أو نزوات عابرة، بل أصبح مؤشراً اجتماعياً واقتصادياً يستحق التوقف عنده. فهذه الظاهرة تعكس تحولاً عميقاً في وعي فئة واسعة من الشباب، التي لم تعد ترى في العمل، كيفما كانت شروطه، فرصة تستحق التضحية بالكرامة والصحة والاستقرار النفسي.

لقد راهنت العديد من الدول النامية، ومن بينها المغرب، على استقطاب الاستثمارات الأجنبية الصناعية عبر تقديم حزمة من الامتيازات، شملت الإعفاءات الضريبية، وتوفير العقار الصناعي، وتطوير البنيات التحتية، فضلاً عن توفر يد عاملة شابة بتكلفة أقل مقارنة بالعديد من الدول الأوروبية وبعض الاقتصادات الصاعدة.

وفي المقابل، شهدت عدة دول خلال العقود الماضية تشديداً متزايداً لقوانين الشغل، وارتفاعاً في الحد الأدنى للأجور، وتوسيعاً لحقوق العمال، وفرض معايير أكثر صرامة فيما يتعلق بظروف العمل والسلامة المهنية والحماية الاجتماعية. وبالنسبة لعدد من الصناعات التي تعتمد على كثافة اليد العاملة، مثل صناعة الكابلات الموجهة لقطاع السيارات، أصبح البحث عن بلدان ذات تكلفة إنتاج أقل جزءاً من استراتيجياتها للحفاظ على قدرتها التنافسية. إلا أن ذلك لا يرتبط بالأجور وحدها، بل أيضاً بعوامل أخرى مثل الموقع الجغرافي، وسلاسل التوريد، والاتفاقيات التجارية، وسهولة الاستثمار.

غير أن نجاح أي دولة في استقطاب المستثمرين لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد المصانع التي تفتح أبوابها، وإنما أيضاً بقدرتها على توفير وظائف تحفظ كرامة الإنسان. فحين تصبح الأجور بالكاد تغطي تكاليف المعيشة، وتتحول ساعات العمل الطويلة والضغط المهني إلى واقع يومي، فإن الوظيفة تفقد دورها كوسيلة للارتقاء الاجتماعي، وتتحول إلى مجرد وسيلة لتأجيل الفقر.

اليوم، يبعث الشباب المغربي برسالة واضحة مفادها أن زمن القبول بأي وظيفة قد انتهى. فالأجيال الجديدة أصبحت أكثر وعياً بحقوقها، وأكثر اطلاعاً على ظروف العمل في مختلف دول العالم، ولم تعد تعتبر أن مجرد الحصول على عمل كافٍ إذا كان هذا العمل لا يضمن حياة كريمة.

ومن المفارقات أن القطاعات التي كانت تُقدم لسنوات باعتبارها نموذجاً لخلق فرص الشغل، أصبحت تواجه صعوبة متزايدة في الاحتفاظ بعمالها، بسبب ارتفاع معدل الاستقالات والعزوف عن الالتحاق بها. وهذا مؤشر ينبغي قراءته بجدية، لأنه يكشف وجود خلل في العلاقة بين الأجر، وظروف العمل، وتكاليف المعيشة، والطموحات المشروعة للشباب.

إن التنافس على جذب الاستثمارات لا ينبغي أن يتحول إلى تنافس على تقديم اليد العاملة الأرخص، لأن هذا النموذج يظل محدود الأثر على التنمية طويلة المدى. فالاستثمار الحقيقي هو الذي يرفع إنتاجية العامل، ويطور مهاراته، ويحسن دخله، ويمنحه مساراً مهنياً مستقراً، لا ذلك الذي يقوم على استغلال الحاجة إلى العمل.

إن المغرب يمتلك كل المقومات ليكون قطباً صناعياً إقليمياً، غير أن هذه المكانة لن تكتمل إلا إذا اقترنت بجودة فرص الشغل، واحترام حقوق العمال، وربط النمو الاقتصادي بتحسين مستوى العيش. فالتنمية ليست مجرد ارتفاع في أرقام الصادرات أو تزايد في عدد المصانع، بل هي قبل كل شيء شعور المواطن بأن ثمرة هذا النمو تنعكس على حياته اليومية.

لقد أثبتت التجارب الدولية أن الاقتصاد الذي يبنى على الأجور المنخفضة يحقق مكاسب سريعة، لكنه يواجه لاحقاً تحديات كبيرة في الاحتفاظ بكفاءاته البشرية. أما الاقتصاد الذي يستثمر في الإنسان، ويرفع من قيمة العمل، ويجعل الكرامة جزءاً من معادلة الإنتاج، فهو القادر على تحقيق تنمية مستدامة، لأن الإنسان ليس مجرد عنصر في سلسلة الإنتاج، بل هو الغاية الحقيقية لأي مشروع تنموي.

Exit mobile version