Site icon جريدة صفرو بريس

صدمة في الجزائر… إسقاط مطلب الاعتذار والتعويض من قانون تجريم الاستعمار الفرنسي يثير تساؤلات


في مفارقة سياسية لافتة، أسقط البرلمان الجزائري مطلبين أساسيين من مشروع قانون تجريم الاستعمار الفرنسي، يتعلقان بالاعتذار الرسمي من فرنسا والتعويض عن الجرائم الاستعمارية. خطوة أثارت صدمة لدى جزء من الرأي العام، خاصة وأن الخطاب الرسمي الجزائري ظل لعقود يرفع سقف المطالب تجاه باريس، ويجعل من “ملف الذاكرة” أحد أهم عناوين المواجهة السياسية والدبلوماسية مع المستعمر السابق.
القانون الذي كان يُفترض أن يشكل محطة تشريعية قوية في مسار ما تسميه الجزائر “استعادة الذاكرة التاريخية”، خرج في نهاية المطاف بنسخة مخففة، خالية من أي مطالب عملية أو إلزامات واضحة تجاه فرنسا. فبدل تحويل الخطاب السياسي إلى التزام قانوني يطالب باعتذار رسمي وتعويضات عن أكثر من قرن من الاستعمار، اختار البرلمان حذف هذه البنود، مكتفياً بنص رمزي يجرّم الاستعمار دون أي تبعات سياسية أو قانونية حقيقية.
ويرى مراقبون أن هذا القرار يعكس تناقضاً صارخاً بين الخطاب السياسي الجزائري الموجّه للاستهلاك الداخلي، وبين الممارسة الفعلية عندما يتعلق الأمر بمواجهة فرنسا بشكل مباشر. فبينما لا يكاد يمر خطاب رسمي أو مناسبة وطنية دون استحضار جرائم الاستعمار الفرنسي، فإن اللحظة التي كان يمكن أن تتحول فيها هذه الشعارات إلى نص قانوني واضح انتهت بتراجع لافت.
ويذهب بعض المحللين إلى أن إسقاط مطلب الاعتذار والتعويض يكشف حدود الخطاب السياسي الجزائري تجاه باريس، ويؤكد أن التصعيد اللفظي لا يوازيه بالضرورة موقف سياسي أو تشريعي حازم. فالقانون الذي كان يمكن أن يضع فرنسا أمام مسؤولية تاريخية وقانونية، جرى تفريغه من أهم مضامينه قبل أن يرى النور.
ويرى آخرون أن ما حدث يعكس نوعاً من الحرج السياسي في الذهاب بعيداً في مواجهة قانونية مع فرنسا، خاصة في ظل تشابك العلاقات الاقتصادية والطاقية والثقافية بين البلدين. فباريس تظل شريكاً مهماً للجزائر في عدة مجالات، وهو ما يجعل الخطاب المتشدد حول “الذاكرة الاستعمارية” يصطدم أحياناً بحدود الواقع السياسي والدبلوماسي.
وبين الخطابات الحادة والقرارات المتحفظة، يطرح كثيرون تساؤلات حول ما إذا كان ملف الاستعمار يُستخدم في الجزائر كأداة تعبئة سياسية أكثر منه مشروعاً قانونياً حقيقياً لمحاسبة الماضي. فحين تحين لحظة تحويل الشعارات إلى إجراءات ملموسة، يبدو أن الحسابات السياسية تتقدم على منطق المواجهة التاريخية.
وهكذا، بدلاً من أن يتحول قانون تجريم الاستعمار إلى محطة تشريعية تضغط فعلياً على فرنسا للاعتذار والتعويض، انتهى إلى نص رمزي لا يغيّر شيئاً في معادلة العلاقات بين البلدين، ما دفع بعض المراقبين إلى وصف ما حدث بأنه تراجع واضح يعكس حدود القدرة على ترجمة الخطاب السياسي إلى مواقف عملية.

Exit mobile version