منذ انطلاق منافسات كأس إفريقيا التي يحتضنها المغرب، كان يفترض أن تتحول كرة القدم إلى لحظة فرح جماعي، متنفس بسيط للمواطنين، وفضاء مشترك لتقاسم المتعة والحماس. غير أن ما يقع في بعض المقاهي، خاصة على مستوى طريق عين الشقف بمدينة فاس، يكشف مرة أخرى كيف يمكن لأي مناسبة جماهيرية أن تتحول إلى فرصة للنهب المنظم تحت أعين الجميع، وبدون حسيب أو رقيب.
فرض تسعيرة 50 درهمًا للدخول فقط من أجل متابعة مباراة كرة قدم، مقابل مشروب هزيل لا يرقى حتى لقيمته الحقيقية، ليس سوى شكل فجّ من أشكال سرقة المواطنين في العلن. لا لائحة أسعار معلقة، لا سند قانوني واضح، ولا أي اعتبار للوضع الاجتماعي لفئات واسعة من الزبائن، خصوصًا الشباب والعمال البسطاء الذين يجدون في المقهى فضاءً شبه وحيد لمتابعة المباريات.
الأخطر من ذلك أن هذه الممارسات لم تعد استثناءً، بل تحولت إلى “عرف” موسمي، تمامًا كما يفعل شناقة المواشي في الأعياد، أو شناقة الخضر والمواد الاستهلاكية في كل أزمة أو مناسبة. اليوم، انضاف صنف جديد إلى لائحة الشناقة: شناقة المقاهي، الذين يتاجرون في الكراسي، والشاشات، وحب كرة القدم، دون خجل أو خوف من المساءلة.
كيف يمكن لمقهى أن يفرض سعرا موحدا للدخول دون أي تأطير قانوني؟ وأين هي السلطات المحلية؟ وأين هي لجان المراقبة التي تتحرك بسرعة البرق حين يتعلق الأمر ببائع متجول، وتختفي تماما حين يتعلق الأمر باستغلال منظم يمارسه أصحاب محلات معروفة العنوان والهوية؟
المسألة هنا لا تتعلق بمبدأ الربح، فكل نشاط تجاري من حقه تحقيق هامش ربح معقول، بل تتعلق بالاستغلال المفرط، وبمنطق “دبر راسك”، وبثقافة الإفلات من العقاب التي تشجع كل من يملك محلا أو سلطة صغيرة على تحويلها إلى أداة للابتزاز. كأس إفريقيا بالنسبة لهؤلاء ليست حدثا رياضيا وطنيا، بل موسم حصاد سريع على حساب جيوب المواطنين.
إن استمرار هذا العبث يكرس شعورا عاما بالظلم، ويغذي الاحتقان الاجتماعي، ويؤكد أن المواطن يُترك وحيدا في مواجهة جشع لا حدود له. كرة القدم وُجدت لتوحيد الناس لا لسرقتهم، ولإدخال البهجة لا لفرض الإتاوات.
شنّاقة الفرح الكروي: حين تتحول المقاهي إلى جيوب بلا رقيب

