Site icon جريدة صفرو بريس

زيادات “سمينة” لرجال السلطة… والعسكري البسيط خارج الحسابات؟


في كل مرة تُثار فيها قضية الأجور والتعويضات داخل بعض أجهزة الدولة، يعود نفس السؤال ليطرح نفسه بإلحاح: من يستفيد فعلا من “التحفيزات” ومن يبقى في آخر السلم رغم حجم التضحيات؟
النقاش الذي عاد بقوة مؤخرا حول التعويضات والامتيازات الممنوحة لبعض رجال السلطة، من قياد وباشوات وغيرهم، فتح الباب أمام موجة واسعة من المقارنات داخل الشارع المغربي، خصوصا حين يتعلق الأمر بالفئات التي تشتغل ميدانيا بشكل يومي، وعلى رأسها الجنود، والدركيون، ورجال الأمن، والقوات المساعدة.
فالكثيرون يعتبرون أن هناك اختلالا واضحا في توزيع الامتيازات داخل بعض القطاعات، حيث يستفيد مسؤولون إداريون من رواتب مرتفعة، وتعويضات مهمة، إضافة إلى السكن الوظيفي والسيارات والمحروقات وامتيازات أخرى، بينما تبقى فئات ميدانية تشتغل في ظروف صعبة تحت ضغط ساعات العمل الطويلة، بأجور يعتبرها البعض غير كافية أمام متطلبات الحياة الحالية.
العسكري البسيط، أو الشرطي، أو الدركي، يعيش واقعا مختلفا تماما عن الصورة الإدارية المريحة التي ترتبط في أذهان المواطنين ببعض مناصب السلطة. فهذه الفئات تقضي ساعات طويلة في الخدمة، دون حديث عن عطلة نهاية أسبوع حقيقية أو أعياد أو مناسبات. الحراسة، التنقل، الاستنفار، المهام الأمنية، العمل في البرد والحر، والتضحية بالحياة العائلية… كلها تفاصيل يومية أصبحت جزءا من روتين هذه الفئات.
ورغم ذلك، يشعر كثيرون أن العسكري البسيط يظل دائما في آخر القائمة عندما يتعلق الأمر بالزيادات أو الامتيازات. فبينما ترتفع تكاليف المعيشة بشكل متواصل، تبقى الرواتب المحدودة عاجزة عن تغطية متطلبات الأسر، خاصة بالنسبة للرتب الدنيا والمتقاعدين والأرامل الذين أفنوا سنوات طويلة في خدمة الوطن.
المفارقة التي تثير غضب عدد من المواطنين ليست فقط في قيمة الأجور، بل في طبيعة الفارق بين من يعمل ميدانيا تحت الضغط وبين من يستفيد من مناصب إدارية مريحة نسبيا، مع امتيازات متعددة تتحملها ميزانية الدولة. لذلك يرى كثيرون أن أي إصلاح حقيقي لمنظومة الأجور يجب أن ينطلق من مبدأ العدالة والإنصاف، لا من منطق الهرم الإداري وحده.
فالوطن لا يحرسه المكتب وحده، بل يحرسه أيضا الجندي المرابط في الحدود، ورجل الأمن في الشارع، والدركي في الطرقات، والعناصر التي تسهر ليلا ونهارا في ظروف صعبة لضمان الاستقرار والأمن.
ولهذا ترتفع أصوات تطالب بأن تشمل أي زيادات مستقبلية الفئات الأقل رتبة، والمتقاعدين العسكريين، والأرامل، باعتبارهم جزءا من ذاكرة التضحية الوطنية، لا مجرد أرقام داخل ملفات إدارية. لأن الإنصاف الحقيقي لا يقاس فقط بحجم الامتيازات، بل بمدى الاعتراف بالمجهودات والتضحيات اليومية.
وفي ظل الظروف الاقتصادية الحالية، يبدو أن السؤال لم يعد فقط حول من يستفيد من الزيادة، بل حول فلسفة توزيعها أساسا: هل الهدف هو تحسين أوضاع من يتحملون العبء الأكبر فعلا، أم إعادة إنتاج نفس الفوارق داخل مؤسسات يفترض أن تقوم على الانضباط وروح التضحية الجماعية؟

Exit mobile version