Site icon جريدة صفرو بريس

دعم السكن في المغرب… حين تمشي المدن بسرعة 160 كلم والقرى تتوقف عند الصفر

بينما تتسارع وتيرة إنجاز مشاريع السكن في المدن الكبرى، وتمنح التراخيص والدعم المالي في وقت قياسي، يعيش العالم القروي خارج الزمن، وكأنه غير معني بما يسمى “برنامج دعم السكن”. الفارق اليوم واضح: المدن تمشي بسرعة 160 كلم في الساعة، والقرى بالكاد تتحرك، بل في حالات كثيرة لا تتحرك إطلاقا.

السبب ليس في غياب الرغبة لدى الساكنة القروية، بل في تعقيد الشروط المفروضة، خصوصا شرط التحفيظ العقاري، في وقت يعرف فيه الجميع أن أغلب الأراضي القروية سلالية أو أحباس أو عدلية، أي خارج النظام العقاري الرسمي، مما يجعل آلاف الأسر القروية محرومة بشكل تلقائي من الاستفادة من الدعم.

كيف يمكن الحديث عن عدالة مجالية في دعم السكن إذا كان النظام نفسه يستثني أكثر من نصف سكان البلاد بسبب تعقيدات قانونية لم تحدث منذ عقود؟ أليس الأولى أن يوجه الدعم نحو ترميم المنازل القروية القديمة وتحسين شروط العيش بدل أن يظل محصورا في الشقق الإسمنتية داخل المدن؟

البرنامج في صيغته الحالية يكرس ما يمكن تسميته بـ”مغرب السرعتين”: مغرب المدن الذي ينعم بالدعم والاستثمار والخدمات، ومغرب القرى الذي يعيش في صمت وتهميش، بلا دعم، بلا فرص، وبلا حضور في أجندة التنمية.

القرى اليوم لا تعرف الاستثمارات الخاصة، لأن أصحاب رؤوس الأموال يفضلون حيث يوجد الربح السريع، والمردودية العالية، والبنيات التحتية الجاهزة. بينما تترك المناطق القروية لمصيرها، في انتظار أن يغادرها أبناؤها إلى المدن، في موجة نزوح هادئة لكنها مستمرة، بحثا عن سكن لائق وحياة أفضل.

البرنامج الحالي لا يجيب عن هذا النزيف الاجتماعي، بل يكرسه. فبدل أن يشجع الأسر على البقاء في أراضيها، ويمول ترميم البيوت الطينية والمنازل المتداعية في الجبال والسهول، يوجه كل موارده نحو المدن التي صارت تختنق بالاكتظاظ والإسمنت.

ثم إن التجربة السابقة مع المخطط الأخضر كانت درسا واضحا: حين تصمم البرامج الكبرى لخدمة المستثمرين الكبار فقط، يهمش الفلاح الصغير، وتقتل الزراعة الأسرية التي كانت تغني القرى عن الحاجة للأسواق. فهل نعيد الخطأ نفسه مع برنامج السكن؟

العدالة المجالية لا تتحقق بالشعارات، بل بتغيير الأولويات: دعم السكن لا يجب أن يقاس بعدد الشقق التي تبنى في المدن، بل بعدد الأسر القروية التي تم إنقاذها من السقوط في التهميش والهشاشة. فحين يسكن القروي بيتا آمنا، ويزرع أرضه، ويعيش بكرامة، تكون الدولة قد بنت وطنا حقيقيا، لا مجرد عمارات جديدة في مدن مزدحمة.

Exit mobile version