دروس رمضانية بقلم الفقيه عبد اللطيف بوعلام : الدرس الثاني الموعود سأتناول فيه قضايا شائكة حاسمة للخلاف بين ما يفطر وما لا يفطر الصائم
يوسف المسكين
أولا: لابد من تفعيل قاعدة العمد والخطأ والجهل والعلم بالحكم؛ ذلك أنه من تعمَّد الأكل أو الجماع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فتتوجب عليه الكفارة المتمثلة في ثلاث أمور مرتبة على الشكل الآتي: عِتْق رقبة مؤمنة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينا. لكل مسكين مُدٌّ من قمح أو شعير أو تمر بحسب الاستطاعة أو تقدير ذلك نقدا بمقدار خمسة وعشرين درهما للفرد، ومن كان يجهل الحكم ودخول وقت الفجر فلا يتأثر صومه، ولكن عليه سُؤْل أهل العلم، والحمد لله أن وسائل التواصل والمنبهات قد يسرت الأمور، ولم يعدْ هناك مشكل في ضبط وقت الفطور والإمساك. ثم إنه من أكل أو شرب ناسيا أنه صائم في رمضان، فلا يتأثر صومه البتة طبقا لقول النبي صلَّى اللهُ عليه وسلم: ” مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ “. الحديث رواه البخاري ومسلم. وعلى من كان بجانبه أو رآه أن ينبهه بلطف حتى لا يتمادى في فِعله المخالف للشرع إلا أن الإمام مالكا رحمه الله يرى القضاء على الناسي في الفرض لا النفل.
ثانيا: لا بد من تَوَفُّر الإرادة والقصد، فمن كان مخطئا أو مُكْرَها ( أي مجبرا على الإفطار بقوة قاهرة )، فلا يتأثر صومه. وكذلك ما يحصل للصائم دون قصد منه كالجروح أو الرعاف أو تطايُر الماء أو البنزين لفمه أو الغبار بشتى أنواعه كالدقيق والتراب، فهذه الأشياء لا أثر لها على الصوم.
ثالثا: في ما يتعلق بالإبر الطبية، فالعلماء الأجلاء يفرقون بين الإبر المغدية ( دون نقط الدال كما يفعل العديد ممن لا حظ لهم في العربية، وموافقة ذلك قوله تعالى بسورة الكهف مُجْرًى على لسان موسى الكليم لفتاه المرافق له لدى سفره عليه السلام إلى الخضر؛ حيث وجد في طريقه مَسَّ الجوع والنَّصَبِ، فقال لفتاه: ” ءَاتنَا غَدَآءَنَا لقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هذَا نصَباً “، وبالنقطة غذاء الخلائق غير الإنسية. والباقي من الأنواع غير المغدية لأن المغدية داخلة في التقوية، وهي تُغْنِي عن الطعام كالكابسولات والإِبَرِ التي يأخذها أصحاب المرْكبات الفضائية لاستكشاف الكون. أما جميع الإبر، فلا تفطر سواء كانت في الوريد أو العضلة أو الشرج أو البطن كإبر البلسنين شريطة ألا تكون إبَرًا تخديرية أو مغدية كما أشرنا إلى ذلك من قبل، والحكم نفسه ينسكب على التحاميل الفرجية في القُبُل أو الأستية في الدبر المعمولة للدواء لتخفيض حرارة الجسم لا التغدية الخاصة غالبا بالحُقَنِ لمعالجة اضطرابات الأمعاء.
رابعا: في ما يتعلق بالقطرات الطبية، فهناك فرق بين القطرة الخاصة بالأنف، وباقي أنواع القطرات لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “وَبَالِغْ فِي الاِسْتِنْشَاقِ إٍلاَّ أًنْ تَكُونَ صَائِمًا”، فأخذوا منه أن الأنف يُعتبَر منفذا للمعدة قد يتسبب في إفطار الصائم. أما القطرات كلها لا تفطر؛ سواء كانت في الأذن أو العين، ولو وجد طَعمها في الحلق.
خامسا: في ما يتعلق بعلاج الربو وبخاخه في الفم، فهناك نوعان من الأدوية: من يتحول إلى جرم عبر كبسولة تشبه الدقيق، فينفذ إلى المعدة، فهذا مفطر، ومن يتحول لرذاذ، ولا يصل إلا إلى الرئة، فهذا غير مفطر .
سادسا: في ما يتعلق بعلاج الأسنان، فإن كانت لتنظيفها أو حشو أو خلع الضرس، فلا تفطر شريطة قذف المخلفات، وحبس الدم حتى لا يصل منها شيء إلى المعدة مثلها مثل تنظيفها بالفرشاة والمعجون، وحتى لو دخل شيء من ذلك دون قصد، فإنه لا يؤثر في الصوم على القول المشهور .
سابعا: في ما يتعلق بالقيء، فللعلم إنه من تقيأ عمدا أفطر دون مَيْنٍ (شك)، ولا خلاف في ذلك. أما من حصل له القيء بدون اختيار منه فلا يفطر ..
ثامنا: في ما يتعلق باستعمال أدوات النظافة والزينة كالحناء والمكياج والكُحل والصابون والأدهان الأخرى، وأدوات التجميل في المنزل، فإن الغالبية من العلماء على أنها لا تفطر إلا أنَّ اجتناب التجميل بالنهار غير مُرغَّب فيه مخافة إثارة الشهوة، والوقوع في ما لا يُحمَد عقباه، أما مُرَهِّم ترطيب الشفتين، فلا بأس به إن كان الأمر مداواة لتشقُّقِهما.
تاسعا: في ما يتعلق بالتعطر وأنواع الطيب، ففيه تفصيل، فالبخور عند احتراقه له جرم يخرج على هيئة دخان، فدخوله يختلف عن العطور التي تعتبر رذاذا لا جرم لها، لكن شيخ الإسلام ابن تيمية في فتاواه لا يرى البخور مفطرا باعتبار أنه كان موجودا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يقل واحد من الصحابة الكرام رضي الله عنهم جميعا أنه مفطر، والذي انقدح لي حسما للخلاف أن البخور إن كانت في الصالون أو مكان بعيد، فلا بأس بها طردا للروائح الكريهة. أما إذا قربها الشخص إلى أنفه واستنشقها، فستصل إلى جوفه، وتكون سببا في فساد صومه بخلاف الطِّيبِ بأنواعه فلا يفطر . أما بالنسبة لتناول التدخين. أعني شرب السجائر وتوابعها التخديرية، فبالإضافة إلى تحريمها القاطع ضررا للصحة تفعيلا لقاعدة: ” كُلُّ مَا يَضُرُّ بٍالأَبْدَانِ مُحَرَّمٌ فِي كُلِّ الأًدْيَانِ “، فإنها مُفْطِرَةٌ عند علماء الدين والدنيا معا.
عاشرا: في ما يتعلق بخروج أو إخراج الدم: _ الحجامة مفطرة بدليل قوله ﷺ: ” أًفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ”، فالقائلون بذلك السادة الحنابلة فقط، ورَدَّ عليهم جمهور العلماء أن الفعل الماضي يُعبَّر به عن قرب حدوث الفعل كقوله تعالى: (أًتَى أَمْرُ اللهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ)، وهو لم يأت إلى الآن، فقوله ﷺ: ( أفطر الحاجم والمحجوم ) أي: أوشك المحجوم أن يضعف جسده فيفطر ، وقال بعض العلماء: ” إن حديث الحجامة منسوخ بثبوت حجامة النبي صلى الله عليه وسلم وهو صائم “. والذي أرجحه أن الدم الكثير الذي ينتج عنه ما ينتج عن الحجامة من ضعف الجسم هذا يفطر عند بعض العلماء ولا يفطر عند آخرين، والقول بعدم التفطير به أقوى؛ لكن هناك من يرى بأن الحجامة مفطرة مثلها حكما مثل التبرع بالدم إن كان كثيرا مُضْعِفًا للبدن. أما أخذ دم للتحاليل أو خروجه بالرعاف أو الجروح، فلا يفطر إلا إذا تم حقن المريض بالدم، فإنه مفطر .
إحدى عشر: في ما يتعلق بخروج المني، فبالنسبة لخروجه له خمس حالات: 1_ بالجِماع، وهذا مفطر بالإجماع إمساكا عن شهوتي البطن والفرج، وعليه الكفارة. 2_ بالمباشرة دون جماع كالتقبيل والمفاخذة وغير ذلك، وهذا مفطر كذلك. 3_ بحركة منه كالاحتكاك أو العبث باليد، وهذا مفطر أيضا. 4 _ بالتفكير فيه لكن دون حركة أو فعل، وهذا لا يفطر البتة. 5 _ أثناء النوم (الاحتلام) لا يفطر، وعليه الغسل قصد الصلاة. أما المذي الماء اللزج الذي يخرج عند التبول أو الإنعاض تفكرا في الجنس، فلا يفطر بل تنظف منطقة وجوده في التُّبَّانِ أو المَعَامَة أو سروال النوم بخلاف المني، فهو الذي يخرج مع انتهاء الشهوة، وقد سبق حكمه قضاء وكفارة وتوبة واستغفارا. بقي لنا الحديث عن السباحة والاغتسال، فلا شيء فيها مثلها مثل حكم المضمضة والاستنشاق الذي لا بد مِنْ فِعْلِها سُنَّةً تقريرية في الوضوء شريطة عدم المبالغة، ولو دخل شيء من الماء دون قصد المتوضئ فلا شيء عليه.. هذا ما تيسر جمعه وتفصيل أحكامه في الأسئلة التي ترد علي تترا في هذا الشهر الفضيل. تقبل الله منا ومنكم الصيام والقيام وصالح الأعمال، وإلى درس تنويري آخر، فكونوا في الموعد، والسلام.