بقلم: المسكين يوسف
لم يعد الجفاف في جهة درعة تافيلالت يُفهم فقط باعتباره نتيجة طبيعية لتغير المناخ وقلة التساقطات، بل أصبح بالنسبة لعدد متزايد من السكان عنوانا لتحولات اجتماعية واقتصادية عميقة أعادت رسم علاقة الإنسان بالأرض والماء. فخلف صور الأودية الجافة والحقول العطشى، تتشكل ملامح واقع جديد يستفيد منه كبار الملاكين والمستثمرين، بينما يجد الفلاح الصغير نفسه محاصرا بالفقر والعطش والهجرة.
لسنوات طويلة، عاش سكان المنطقة على نمط اقتصادي تقليدي قائم على الفلاحة المعيشية وتربية الماشية وتقاسم المياه وفق أعراف محلية ضمنت نوعا من التوازن الاجتماعي والاستقرار. لم تكن الحياة سهلة، لكنها كانت تمنح السكان قدرة على الصمود والاكتفاء الذاتي، وتحافظ على ارتباط الإنسان بأرضه وقبيلته وواحه.
غير أن التحولات التي عرفتها السياسة المائية والفلاحية خلال العقود الأخيرة قلبت المعادلة بالكامل. فبدل أن تُوجه المشاريع لحماية الموارد المائية ودعم الفلاحين الصغار، جرى توجيه جزء مهم منها لخدمة منطق الاستثمار الكبير والفلاحة التصديرية والاستهلاك المكثف للمياه. ومع الوقت، بدأت مجاري المياه والوديان تُحوّل بشكل مباشر أو غير مباشر نحو ضيعات كبرى، بينما تراجعت حصة الدواوير والواحات التقليدية من المياه.
الأخطر أن هذه التحولات لم تأت منفصلة عن تغيرات عقارية خطيرة. فمع اشتداد الجفاف وارتفاع تكاليف العيش، وجد كثير من السكان أنفسهم مضطرين لبيع أراضيهم بأثمان بخسة، أحيانا تحت ضغط الحاجة، وأحيانا بسبب غياب أي دعم حقيقي يمكنهم من الاستمرار. وهكذا انتقلت مساحات واسعة من الأراضي إلى أيدي فئة محدودة من كبار المستثمرين والملاكين، بعضهم من خارج المنطقة، بل ومن خارج المغرب أيضا.
هذا الواقع خلق شكلا جديدا من “الأرستقراطية الحديثة”، لا تقوم على الألقاب التقليدية، بل على السيطرة على الماء والأرض ورأس المال. فالفلاح الذي كان بالأمس مالكا صغيرا يعيش من أرضه، تحول اليوم في كثير من الحالات إلى عامل موسمي أو أجير لدى المستثمر الجديد الذي استحوذ على الأرض والماء معا.
ولعل أخطر نتائج هذه السياسات هو النزيف البشري الذي تعيشه المنطقة. فالهجرة لم تعد مجرد اختيار اقتصادي، بل أصبحت هروبا جماعيا من واقع فقد فيه الناس شروط العيش الكريم. آلاف الشباب غادروا القرى والواحات نحو مدن مثل الدار البيضاء ومراكش وأكادير، بحثا عن فرصة عمل أو مورد يضمن البقاء. أما من بقي، فيعيش تحت ضغط البطالة وندرة المياه وارتفاع تكاليف الإنتاج.
المفارقة المؤلمة أن المنطقة التي كانت عبر قرون خزانا بشريا وفلاحيا، أصبحت اليوم مهددة بالتفكك الاجتماعي والفراغ السكاني. الواحات التي كانت تضج بالحياة بدأت تفقد سكانها تدريجيا، فيما تتوسع الضيعات الكبرى المستنزفة للمياه الجوفية، في مشهد يعكس اختلالا عميقا في توزيع الثروة والموارد.
لا أحد ينكر أثر التغيرات المناخية، لكن اختزال أزمة درعة تافيلالت في “القدر الطبيعي” وحده يخفي جانبا مهما من الحقيقة. فالجفاف يصبح أكثر فتكا عندما تقترن الطبيعة بسياسات غير عادلة، وعندما يتحول الماء إلى أداة للربح بدل أن يبقى حقا جماعيا يضمن استمرار الحياة.
إن ما يحدث اليوم في درعة تافيلالت ليس مجرد أزمة مياه، بل معركة حول من يملك الأرض، ومن يملك الماء، ومن يملك الحق في البقاء. وبينما تتحدث التقارير الرسمية عن التنمية والاستثمار، يشعر كثير من أبناء المنطقة أن ما يجري فعليا هو إعادة تشكيل المجال لصالح أقلية تملك المال والنفوذ، على حساب الإنسان البسيط الذي حافظ على هذه الأرض لقرون طويلة.

