كثيرة هي البرامج الحوارية، ونادرة هي المناظرات التي تكشف الفارق الحقيقي بين المعرفة والخطابة. مناظرة طلال لحلو ومحمد عصيد ضمن برنامج Frontal.es لم تكن مجرد نقاش تلفزي، بل كانت لحظة فرز معرفي بين منطق التحليل العلمي ومنطق الجمل الإنشائية.
منذ اللحظة الأولى، بدا طلال لحلو متسلحا بأدوات المنهج، يعتمد على تفكيك المفاهيم، وتحليل السياقات، واستحضار المراجع العلمية بدقة وصرامة. لم يكن في موقع المدافع، بل في موقع المنتج للمعرفة. كل مداخلة منه كانت مبنية على فرضية واضحة، تنتهي بخلاصة عقلانية، يمكن تتبعها، نقدها، أو البناء عليها.
في المقابل، ظهر محمد عصيد كما اعتاد جمهوره، متمسكا بخطاب إنشائي يتوسل اللغة الرنانة، ويستنجد بالمواقف المسبقة أكثر مما يستند إلى الحجاج المنهجي. طرحه بدا متأرجحا بين العموميات والتوصيفات المجردة، بعيدا عن الإقناع العلمي أو حتى التماسك المنطقي.
وهنا تتجلى المفارقة: حين يجلس صاحب المنهج في مواجهة صاحب الشعارات، تظهر الحقيقة مجردة. لا يمكن للجملة الإنشائية أن تصمد أمام سؤال معرفي صارم، ولا يمكن للبلاغة أن تحجب غياب البرهان.
التحليل العلمي لا يحتاج إلى رفع الصوت، ولا إلى إثارة الانفعال. هو بناء متدرج، يبدأ بسؤال وينتهي بفهم. أما الخطاب الإنشائي فيرتكز على الانطباع، ويخاطب العاطفة، ويهرب من العمق لأنه يفضح خواءه.
المناظرة الأخيرة لم تكن فقط حدثا تلفزيا ناجحا بالأرقام، بل كانت درسا حيا في أهمية التكوين الأكاديمي الصارم، وأثره في النقاش العمومي. لقد كشفت أن الجمهور المغربي ليس كما يُظن تواقا للفرجة أو الجدل العقيم، بل متعطش لخطاب معرفي رصين، يقدّر الفكرة ويحتقر الصراخ.
في زمن السطحية، تأتي لحظات استثنائية كهذه المناظرة لتعيد الاعتبار للفكر المنهجي، وتفضح سطوة الخطابات المعلبة. لقد انتصر التحليل العلمي، لا فقط لأن طلال لحلو كان مقنعا، بل لأن العقل انتصر على الإنشاء.

