
لم يكن مساء الجمعة مجرد مباراة كرة قدم، ولم يكن الفوز على الكاميرون حدثًا عاديا يُقاس بعدد الأهداف أو النقاط المضافة في تصنيف الفيفا. ما جرى كان أقرب إلى كسرٍ هادئٍ لعقدة تاريخية، وعبورٍ نفسي قبل أن يكون عبورًا رياضيًا.
المنتخب المغربي لم يهزم الكاميرون فقط، بل هزم صورةً ظلت تطارده لعقود: صورة المنتخب الذي يجيد اللعب لكنه يتعثر عند اللحظة الحاسمة، الذي يملك الموهبة لكنه يصطدم بجدار “الخبرة الإفريقية”. مساء الجمعة، سقط هذا الجدار.
الكاميرون، بكل ثقلها الرمزي في كأس إفريقيا، وبكل ما تحمله من ذكريات مؤلمة للمغاربة، وجدت نفسها لأول مرة عاجزة أمام منتخب مغربي لا يطلب الإذن من التاريخ، بل يفرض عليه تصحيح مساره.
هذا الفوز لا يمكن اختزاله في رقم مؤقت في تصنيف الفيفا، حتى وإن كان بلوغ المركز الثامن عالميًا إنجازًا غير مسبوق. القيمة الحقيقية تكمن في التحول: تحول المنتخب المغربي من فريق “واعد” إلى منتخب “مُهاب”، من مشروع جميل إلى واقع تنافسي صلب.
ولعل الأهم أن هذا الانتصار جاء دون ضجيج، دون استعراض، ودون شعارات كبيرة. جاء نتيجة تراكم عمل، وانضباط تكتيكي، ونضج ذهني واضح في تعامل اللاعبين مع ضغط المباراة وتاريخ الخصم. لم يكن هناك خوف من الاسم، ولا تردد أمام الرهان.
أن يبلغ المغرب نصف نهائي كأس إفريقيا لأول مرة منذ 22 سنة، فهذا رقم. لكن أن يبلغها وهو يُقصي الكاميرون لأول مرة في تاريخ النهائيات، فهذه رسالة. رسالة مفادها أن “الأسود” لم يعودوا ضيوف شرف في المواعيد الكبرى، بل طرفًا يكتب فصوله بيده.
اليوم، لا يحتاج المنتخب المغربي لمن يذكره بالماضي، بل لمن يفهم الحاضر ويستعد للمستقبل. لأن ما تحقق ليس سقفًا… بل بداية مرحلة يُقاس فيها المغرب بما يطمح إليه، لا بما كان عليه.
وفي كرة القدم، كما في التاريخ، هناك انتصارات تغيّر النتائج… وأخرى تغيّر الوعي. وما حدث أمام الكاميرون ينتمي إلى الصنف الثاني.




