Site icon جريدة صفرو بريس

حنان رحاب تضع اليسار المغربي أمام مرآته: وحدة المشروع أم استمرار التشتت؟

بقلم: المسكين يوسف

حين تقول حنان رحاب إن الكرة أصبحت في مرمى قيادات أحزاب اليسار، وإن المواطنين الذين منحوا ثقتهم لبرلمانييه ملوا من التشتت، وينتظرون يسارا كبيرا بما يكفي للاختلاف وموحدا بما يكفي للفعل، فإنها تضع يدها على واحد من أعمق أعطاب المشهد السياسي المغربي. غير أن أهمية هذا الطرح لا تكمن فقط في الدعوة إلى التقارب بين الأحزاب اليسارية، بل في الأسئلة التي يفتحها بشأن طبيعة هذا اليسار، وحدود الاختلاف بين مكوناته، وقدرته على تجاوز حسابات التنظيمات والقيادات نحو بناء مشروع سياسي واجتماعي يستعيد ثقة المواطنين.

فالحديث عن وحدة اليسار يبدو حاضرا في الخطاب السياسي، لكنه يصطدم بواقع أكثر تعقيدا من مجرد جمع الأمناء العامين حول طاولة واحدة. ذلك أن اليسار المغربي ليس كتلة أيديولوجية متجانسة، ولا ينطلق جميع من يصنفون أنفسهم ضمنه من المرجعية الفكرية نفسها. هناك تيارات اشتراكية واجتماعية ديمقراطية، وأخرى ذات خلفيات ماركسية أو راديكالية، ومكونات تجعل الديمقراطية والحريات في صلب مشروعها، وأخرى تمنح الأولوية للصراع الاجتماعي والاقتصادي. وبين هذه التصورات تتباين المواقف من الدولة والسوق والملكية والهوية والتحالفات السياسية، كما تختلف القراءات بشأن المشاركة في الحكومة أو الاصطفاف في المعارضة.

ومن هنا، فإن أول منعرج يمكن أن تقع فيه الدعوة إلى الوحدة هو التعامل مع الاختلاف الأيديولوجي باعتباره تفصيلا يمكن تجاوزه بمجرد توفر الإرادة السياسية. فطرح الوحدة يجب أن يستحضر الأسئلة الفكرية التي تمهد لإنتاج تحالف انتخابي، لكن يجب استحضار صعوبة الصمود أمام أول اختبار حكومي أو خلاف حول المواقف والبرامج. وفي المقابل، فإن تحويل كل اختلاف إلى مبرر للانقسام يجعل التعدد الفكري يتحول إلى عبء تنظيمي، ويمنح المواطن انطباعا بأن الأحزاب التي تتقاسم كثيرا من المطالب الاجتماعية عاجزة حتى عن الاتفاق على الحد الأدنى الذي يجمعها.

وتقدم التجارب الدولية دروسا مهمة في هذا الباب. ففي فرنسا، استطاعت قوى يسارية متباينة أن تتجمع سنة 2024 ضمن الجبهة الشعبية الجديدة لمواجهة صعود اليمين المتطرف، من دون أن تتخلى عن هوياتها الحزبية أو اختلافاتها الفكرية. لكن هذه التجربة أظهرت أيضا أن الاتفاق على مواجهة خصم مشترك لا يكفي وحده لبناء مشروع مستقر، لأن الخلافات حول القيادة والبرنامج والعلاقة بالسلطة سرعان ما تعود إلى الواجهة. وفي إسبانيا، تمكنت قوى يسارية متعددة من المشاركة في تجربة حكومية إلى جانب الحزب الاشتراكي، وحققت مكاسب اجتماعية في بعض المجالات، لكنها ظلت تواجه تحدي التوفيق بين مطالب مكوناتها ومتطلبات تدبير الدولة. أما التجربة التاريخية للجبهة الشعبية الفرنسية في ثلاثينيات القرن الماضي، فتؤكد أن التحالفات الواسعة تستطيع إنتاج إصلاحات اجتماعية مهمة، لكنها تظل معرضة للتآكل عندما تتعمق الخلافات أو تتغير الظروف السياسية والاقتصادية.

والدرس الذي يمكن استخلاصه من هذه التجارب ليس أن على اليسار المغربي تقليد نموذج أجنبي بعينه، بل أن الوحدة الناجحة لا تقوم على التطابق، وإنما على القدرة على إدارة الاختلاف داخل قواعد متفق عليها. فليس ضروريا أن يتحول الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية وفيدرالية اليسار الديمقراطي وباقي المكونات التي تنسب نفسها إلى اليسار إلى حزب واحد حتى يصبح التنسيق بينها ممكنا. المطلوب أولا هو أن تتحول العلاقات بينها من منافسة تستنزف الجميع إلى شراكة سياسية واضحة، قادرة على صياغة مواقف مشتركة بشأن القضايا الكبرى، مع الاحتفاظ بحق كل مكون في التعبير عن خصوصيته.

لكن هل توجد بالفعل أرضية مشتركة تسمح بذلك؟ الجواب نعم، إذا انتقل النقاش من الشعارات العامة إلى المصالح الاجتماعية الملموسة. فالدفاع عن مدرسة عمومية ذات جودة، وعن منظومة صحية تستجيب لحاجات المواطنين، وعن عدالة جبائية تنصف الأجراء والطبقة المتوسطة، وعن حماية الشغل ومحاربة الهشاشة والريع والفساد، كلها قضايا يمكن أن تشكل أساسا لبرنامج يساري مشترك. ويمكن أن تضاف إليها حماية الحريات، وتقوية المشاركة الديمقراطية، وتوسيع آليات المحاسبة، وربط المسؤولية بالنتائج، والدفاع عن سياسات عمومية تقلص الفوارق المجالية والاجتماعية. أما القضايا التي لا يوجد بشأنها توافق كامل، فيمكن تدبيرها من خلال الحوار والاحتكام إلى قواعد واضحة، بدلا من تحويلها إلى أسباب دائمة للقطيعة.

غير أن المعضلة لا تتعلق بالبرامج وحدها، بل بالبنية الاجتماعية والسياسية التي يتحرك داخلها اليسار المغربي. فقد تغير المجتمع، وتبدلت انتظارات الأجيال الجديدة، وتراجعت قدرة الخطاب الأيديولوجي التقليدي على استقطاب الشباب، في وقت أصبحت فيه قضايا البطالة والسكن والقدرة الشرائية والتعليم والصحة أكثر إلحاحا من الصراعات التنظيمية التي لا تعني المواطن إلا بقدر ما تنعكس على حياته. كما أن تراجع العمل الحزبي الميداني في بعض الأوساط، وضعف التأطير المستمر، واتساع المسافة بين النخب السياسية وفئات اجتماعية واسعة، كلها عوامل تجعل استعادة الثقة أكثر تعقيدا من مجرد إعلان تحالف جديد.

ومن الخطأ أيضا اختزال أزمة اليسار في تعدد الأحزاب وحده. فقد تتوحد التنظيمات انتخابيا وتظل عاجزة عن إقناع المواطنين إذا لم تجدد خطابها، وتفتح مؤسساتها أمام الكفاءات والشباب والنساء، وتمنح مناضليها دورا حقيقيا في صناعة القرار. وقد ينجح حزب واحد في توسيع حضوره إذا امتلك مشروعا واضحا، وتنظيما ديمقراطيا، وقيادة قادرة على تجديد نفسها. لذلك، فإن المطلوب ليس الوحدة بأي ثمن، وإنما بناء قوة سياسية تستمد مشروعيتها من المجتمع، لا من الاتفاقات المغلقة بين القيادات.

ويزداد هذا النقاش أهمية في ضوء موقع بعض الأحزاب ذات المرجعية اليسارية داخل الأغلبية الحكومية، مقابل مكونات أخرى تختار المعارضة. فالمشاركة في الحكومة ليست في حد ذاتها تنازلا عن المبادئ، كما أن الوجود في المعارضة لا يمنح صاحبه تلقائيا صفة البديل التقدمي. المعيار الحقيقي هو مدى قدرة الحزب على الدفاع عن اختياراته الاجتماعية، والتأثير في السياسات العمومية، وتقديم حصيلة قابلة للتقييم. وهنا يبرز سؤال استراتيجي: هل يستطيع اليسار أن يتفق على قضايا اجتماعية أساسية حتى عندما تختلف مواقع مكوناته بين الأغلبية والمعارضة؟ وهل يمكن أن يدافع عن المدرسة العمومية والعدالة الاجتماعية وحقوق الشغيلة بمواقف متقاربة، من دون أن يلغي اختلافه بشأن تدبير الحكومة أو تقييم أدائها؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة تتطلب شجاعة سياسية من القيادات، لأن أي مشروع وحدوي جدي يستلزم التنازل عن بعض الحسابات التنظيمية والشخصية. وهنا تكمن العقدة الأكثر حساسية: هل تستطيع الزعامات أن تقبل بأن المشروع المشترك أكبر من مواقعها؟ وهل تستطيع الأحزاب أن تتجاوز الذاكرة المثقلة بالانشقاقات والصراعات، وأن تميز بين الخلاف السياسي المشروع والخصومة التي تتحول إلى إرث ينتقل من جيل إلى آخر؟ إن استمرار الانقسامات لا يضر فقط بصورة اليسار، بل يضعف قدرته على التأثير في النقاش العمومي، ويترك المجال مفتوحا أمام قوى أخرى لتقديم نفسها باعتبارها الأكثر قدرة على تمثيل تطلعات المواطنين.

ولعل الطريق الأكثر واقعية يبدأ بإرساء ميثاق سياسي واجتماعي مشترك، يتضمن أهدافا قابلة للقياس، وآليات للتنسيق البرلماني والنقابي والميداني، وقواعد واضحة لحسم الخلافات، ثم تطوير تحالفات انتخابية على أساس البرامج والالتزامات، لا على أساس توزيع المقاعد وحده. ويمكن أن تتطور هذه التجربة تدريجيا نحو تنسيق أوسع أو اتحاد سياسي، إذا أثبتت قدرتها على العمل المشترك واستعادت ثقة المواطنين. فالوحدة التي تأتي من القمة من دون امتداد اجتماعي ستظل هشة، أما الوحدة التي تنطلق من مطالب الناس وتستند إلى عمل ميداني مشترك، فستكون أكثر قابلية للاستمرار.

إن حنان رحاب، وهي تضع الكرة في ملعب القيادات، تثير في العمق مسألة تتجاوز مستقبل الأحزاب إلى مستقبل التمثيل السياسي نفسه. فالمواطن الذي يرى تقاربا في الشعارات وتباعدا في التنظيمات قد يفقد الثقة في جدوى التعدد الحزبي، وقد يختار الابتعاد عن السياسة بدل الاختيار بين بدائل تبدو متشابهة في المطالب ومتناقضة في الممارسة. ولذلك، فإن مسؤولية اليسار لا تقتصر على حماية تاريخه أو استحضار رموزه، بل تمتد إلى إثبات أن هذا التاريخ قادر على إنتاج إجابات جديدة عن أسئلة الحاضر.

في النهاية، لا يحتاج اليسار المغربي إلى إلغاء الاختلاف كي يتوحد، بل إلى التحرر من الاعتقاد بأن كل اختلاف يستوجب الانقسام. ولا يحتاج بالضرورة إلى حزب واحد، بقدر ما يحتاج إلى مشروع اجتماعي ديمقراطي واضح، وآليات مشتركة للفعل، وقيادات مستعدة لوضع المصلحة العامة فوق الحسابات التنظيمية. أما إذا ظلت الوحدة مجرد خطاب موسمي يتجدد مع كل استحقاق انتخابي، فإن اليسار سيواصل خسارة المسافة بين رصيده التاريخي ووزنه الفعلي في المجتمع. فالسؤال لم يعد ما إذا كان اليسار المغربي قادرا على جمع شتاته، بل ما إذا كانت قياداته تمتلك الإرادة لمغادرة منطقة الراحة التنظيمية، وبناء بديل يجعل المواطن يشعر بأن صوته يمكن أن يغير شيئا في حياته.

Exit mobile version