Site icon جريدة صفرو بريس

حريق الجرف يفتح من جديد ملف الهشاشة التنموية بالجنوب الشرقي

لم يعد الحريق الذي اندلع بغابة الجديدة على مستوى قصر المنقارة بالجرف بإقليم الرشيدية مجرد حادث محلي ينتظر تدخل فرق الإطفاء للسيطرة عليه، بل أعاد إلى الواجهة واقعا أوسع تعيشه مناطق واسعة من الجنوب الشرقي، حيث تتقاطع ندرة المياه وتوالي سنوات الجفاف مع هشاشة الغطاء النباتي وضعف الإمكانيات المتاحة أمام الساكنة لمواجهة الأزمات الطارئة.

فالجنوب الشرقي للمغرب يواجه منذ سنوات ضغطا متزايدا بفعل التغيرات المناخية وتراجع الموارد المائية، في وقت لا تزال فيه مجموعة من المناطق تعاني من محدودية المشاريع التنموية وفرص الشغل والخدمات الأساسية. وفي مثل هذه الظروف، يصبح أي حريق أو أزمة بيئية حدثا يتجاوز أبعاده المباشرة، لأنه يسلط الضوء على هشاشة منظومة بيئية واجتماعية تحتاج إلى تدخلات تتجاوز الحلول الظرفية.

ولا يتعلق الأمر فقط بتوفير وسائل إخماد الحرائق، وإنما بالحاجة إلى سياسة متكاملة لحماية الواحات والغابات والمجالات الطبيعية، تقوم على الوقاية والاستباق، وتأهيل المسالك، وتوفير نقاط للمياه، ودعم فرق التدخل، وإشراك الساكنة المحلية في حماية الموارد الطبيعية. فالمنطقة التي تواجه الجفاف وتراجع الفرشة المائية لا تستطيع تحمل مزيد من فقدان الغطاء النباتي الذي يشكل جزءا من توازنها البيئي ومصدر عيش عدد من الأسر.

وفي المقابل، تظل التنمية الاقتصادية والاجتماعية عاملا أساسيا في معالجة هذه الهشاشة. فالمناطق الجنوبية الشرقية لا تحتاج فقط إلى تدخلات مرتبطة بالكوارث والحرائق، بل إلى استثمارات مستدامة تخلق فرص الشغل، وتدعم الفلاحة الواحية، وتحسن البنيات التحتية والخدمات الصحية والتعليمية، وتوفر بدائل اقتصادية تقلل من آثار الهشاشة المرتبطة بالمناخ والهجرة نحو المدن.

ومن هذا المنطلق، فإن حريق الجرف ينبغي أن يكون مناسبة لإعادة طرح سؤال أوسع: كيف يمكن حماية المجالات الطبيعية في منطقة تواجه الجفاف وفي الوقت نفسه ضمان تنمية عادلة ومستدامة لساكنتها؟ فالتدخل العاجل لإخماد النيران يظل ضروريا، لكن الأهم هو الانتقال من منطق التدخل بعد وقوع الأزمة إلى بناء منظومة دائمة للوقاية والتأهيل والتنمية، بما يجعل الجنوب الشرقي شريكا كاملا في التنمية الوطنية، لا مجرد مجال تتجدد فيه الأزمات كلما اشتدت الظروف المناخية.

Exit mobile version