Site icon جريدة صفرو بريس

تقرير عن عرض مالي لإبعاد غالي عن الجزائر.. البوليساريو أمام مأزق استراتيجي ونهاية مرحلة الرهان على الانفصال

تتجه قضية الصحراء المغربية نحو مرحلة جديدة تتراجع فيها هوامش المناورة أمام جبهة البوليساريو والجزائر، في ظل التحولات الدبلوماسية المتسارعة وتعزز موقع مبادرة الحكم الذاتي المغربية في المسار الأممي. وفي هذا السياق، أثار تقرير نشره موقع «ساحل إنتليجنس» الفرنسي، يوم 28 أكتوبر الجاري، معطيات بشأن عرض مالي قيل إن السلطات الجزائرية اقترحته على إبراهيم غالي، زعيم جبهة البوليساريو، مقابل مغادرة الجزائر والتخلي عن نفوذه في مخيمات تندوف والانتقال إلى إسبانيا.

وبحسب التقرير، يأتي هذا التطور في سياق مراجعة الحسابات المرتبطة بملف الصحراء، بعدما واجهت الأطروحة الانفصالية انتكاسات دبلوماسية متتالية، وأصبح من الصعب الاستمرار في الرهان على المقاربات التي لم تتمكن، طوال عقود، من إنهاء النزاع أو فرض تصور الانفصال كخيار للتسوية. ويربط الموقع هذه المعطيات بملفات منسوبة إلى بوعلام بوعلام، المدير السابق لديوان الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، تتضمن معلومات سياسية ومالية ودبلوماسية حساسة.

وإذا كانت هذه المعطيات تعكس، في دلالاتها السياسية، حجم الضغوط التي باتت تحيط بقيادة البوليساريو، فإنها تفتح الباب أمام قراءة أوسع لطبيعة العلاقة بين الجبهة والسلطات الجزائرية، ومدى ارتباط مستقبل القيادة الانفصالية بحسابات إقليمية تتجاوز مخيمات تندوف. فالجبهة التي ظلت تقدم نفسها باعتبارها صاحبة مشروع سياسي مستقل تجد نفسها أمام واقع إقليمي ودولي متغير، تتزايد فيه الدعوات إلى حل عملي ونهائي للنزاع، بدل إدامة وضع استنزف إمكانات المنطقة وأبقى آلاف الأشخاص رهائن لانتظارات طويلة.

وقد شكل اعتماد مجلس الأمن القرار 2797 في 31 أكتوبر 2025 محطة مهمة في المسار الأممي، من خلال دعم الجهود الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي، وإبراز مقترح الحكم الذاتي المغربي باعتباره أساسا للمفاوضات. ويعزز هذا التحول موقع المغرب، الذي واصل الدفاع عن مبادرته باعتبارها إطارا واقعيا لتسوية النزاع في ظل السيادة المغربية، بما يتيح لسكان الأقاليم الجنوبية تدبير شؤونهم في إطار مؤسساتي واضح.

وفي المقابل، تجد الجزائر والبوليساريو نفسيهما أمام تحدي مراجعة المواقف في ضوء المتغيرات الدولية، خصوصا مع تزايد أهمية الحلول السياسية القابلة للتطبيق، وتراجع جاذبية الشعارات التي لم تنتج تسوية نهائية. فاستمرار الوضع القائم لم يعد مجرد خلاف سياسي، بل أصبح عاملا يعرقل آفاق الاستقرار والتكامل المغاربي، ويؤجل فرص التنمية والتعاون بين شعوب المنطقة.

أما الحديث عن احتمال إبعاد إبراهيم غالي عن المشهد، فيحمل دلالة سياسية تتجاوز مصير شخص بعينه، إذ يعيد طرح السؤال بشأن مستقبل القيادة الانفصالية في مرحلة تتطلب قرارات تتلاءم مع التحولات القائمة. فالتحدي الذي تواجهه البوليساريو لا يتعلق فقط بمستقبل زعيمها، بل بمدى قدرتها على التعامل مع واقع دولي بات يركز على الحل السياسي والتوافق، بدل استمرار النزاع المفتوح.

وبالنسبة إلى المغرب، فإن هذه التطورات تعزز أهمية مواصلة العمل الدبلوماسي وترسيخ مبادرة الحكم الذاتي في النقاش الدولي، مع مواصلة التنمية بالأقاليم الجنوبية وتثبيت المكتسبات المؤسساتية والاقتصادية. فالقوة التفاوضية لا تتأسس على المواقف وحدها، بل أيضا على الاستقرار والقدرة على تقديم مشروع واضح للمستقبل.

وبين التحولات الأممية والحسابات الإقليمية، تبدو البوليساريو والجزائر أمام مرحلة تضيق فيها خيارات المناورة، ويصبح فيها استمرار الرهان على الانفصال أكثر صعوبة في مواجهة مسار دولي يتجه نحو تسوية سياسية واقعية. ويبقى التحدي الأساسي هو الانتقال من منطق الصراع إلى منطق الحل، بما ينهي هذا النزاع ويفتح المجال أمام تعاون مغاربي طال انتظاره، على أساس احترام السيادة الوطنية وتحقيق الاستقرار والتنمية لشعوب المنطقة.

Exit mobile version