Site icon جريدة صفرو بريس

تصنيف سياسي بغطاء أمني: كيف تحوّل قرار واشنطن إلى أداة اصطفاف إقليمي؟

حين تتحدث الإدارة الأميركية عن الإرهاب، فإنها تتجاهل عمداً أن قرارها الأخير أصبح أداة سياسية أكثر منه حكماً قانونياً أو أمنياً. فتصنيف بعض فروع جماعة الإخوان المسلمين “منظمات إرهابية” لا يستند إلى ملف قضائي دولي أو إلى تقارير أممية مستقلة، ولا إلى أدلة ميدانية ثابتة على تورط تلك الفروع في عمليات عنف منظمة. بل إن العديد من الدول، بما فيها قوى غربية كبرى، ما زالت تعتبر الإخوان تياراً سياسياً ذا مرجعية دينية، يضم فئات واسعة لم تكن يوما جزءاً من أي نشاط مسلح أو عمل إجرامي.

من المهم التذكير بأن الإخوان المسلمين – مهما كان الاختلاف الإيديولوجي معهم – لم يصدر بحق أغلب فروعهم حكم دولي أو أممي يربطهم بنشاط إرهابي منظم. وطوال عقود، كان حضور الجماعة في عدد من الدول موجهاً نحو المشاركة في الحياة السياسية أو النشاط الدعوي والاجتماعي، وليس نحو تشكيل مليشيات مسلحة أو تنفيذ عمليات تستهدف الأبرياء. بل إن الجماعة نفسها كانت أحد الأطراف التي تعرضت لقمع عنيف من طرف أنظمة سياسية متعاقبة، دون أن يثبت أنها ردت بجماعات مسلحة منظمة داخل الدول التي تنشط فيها بشكل قانوني أو شبه قانوني.

لذلك فإن القرار الأميركي لا يبدو نابعا من “معيار أمني”، بل من معيار اصطفافي يخدم تحالفات ترامب الإقليمية. ومن المفارقات الواضحة أن نفس الرئيس الذي يطلق اليوم لغة “مكافحة الإرهاب” كانت سياساته الخارجية من أكثر السياسات إثارة للفوضى وعدم الاستقرار، عبر تدخلات وقرارات دفعت المنطقة نحو التوتر بدل التهدئة.

إن وصف الإخوان بالإرهاب بدون تقديم أدلة قاطعة لا يعالج التطرف ولا يعزز الأمن، بل يخلط بين حركات سياسية وجماعات مسلحة، ويجعل كل معارض أو مختلف فكرياً مهدداً بخطر التصفية السياسية تحت غطاء قانوني. فالخلط بين الإيديولوجيا والعنف هو نفسه ما استخدمته بعض الأنظمة لقمع معارضيها لعقود، وهو ما يكرسه القرار الأميركي اليوم.

في النهاية، يبقى تصنيف ترامب خطوة سياسية أكثر منها خطوة أمنية، بينما الواقع الميداني يؤكد أن الإخوان – خصوصاً في الدول التي شاركوا فيها سياسياً – لم ينخرطوا في أعمال إرهابية ممنهجة، وأن استعمال هذه التهمة يخدم موازين القوى لا موازين العدالة.

Exit mobile version