لم يعد التحرك الأخير داخل الكونغرس الأمريكي مجرد مبادرة تشريعية عابرة، بل يعكس تحوّلًا بنيويًا في نظرة واشنطن إلى نزاع الصحراء. فبانضمام النائب الجمهوري زاكاري نان إلى مشروع قانون يدعو إلى تصنيف عصابة البوليساريو كمنظمة إرهابية، يرتفع عدد الداعمين للمبادرة إلى ثمانية نواب من الحزبين، في مؤشر واضح على تشكّل إجماع سياسي جديد يتجاوز الاصطفافات التقليدية داخل المؤسسة التشريعية الأمريكية.
هذا التطور يأتي في سياق جيوسياسي أوسع، حيث لم يعد ملف الصحراء يُقرأ فقط من زاوية “تصفية الاستعمار” أو الوساطة الأممية، بل أُعيد إدراجه ضمن مقاربة أمنية صارمة، تربط بين الجماعات المسلحة غير النظامية، وشبكات التهريب، والتنظيمات المتطرفة في منطقة الساحل والصحراء. من منظور واشنطن، عصابة البوليساريو لم تعد مجرد “حركة انفصالية”، بل أصبحت فاعلًا أمنيًا محتمل الخطورة، وهو تحول نوعي في توصيف النزاع وتقييم المخاطر.
المغرب، من جانبه، يستفيد من هذا التحول عبر تعزيز موقعه كشريك أمني موثوق للولايات المتحدة في شمال إفريقيا. التنسيق العسكري، والتعاون الاستخباراتي، والدور المغربي في محاربة الإرهاب، كلها عناصر عززت قناعة واشنطن بأن استقرار الصحراء يمر عبر حل سياسي واقعي، لا عبر كيان مسلح معزول في مخيمات مغلقة. لذلك، تشدد الخطاب الأمريكي تجاه العصابة لا يستهدفها فقط، بل يوجه رسالة إلى الداعمين الإقليميين بأن زمن استخدام النزاعات المجمدة كورقة ضغط قد انتهى.
حتى وإن لم يُمرَّر مشروع القانون في صيغته النهائية، فإن مجرد طرحه بهذا الزخم داخل الكونغرس يشكل سابقة سياسية ستترك أثرها على مسار النزاع، وعلى طريقة تعاطي المجتمع الدولي معه. فالقضية لم تعد محصورة في أروقة الأمم المتحدة، بل دخلت رسميًا دائرة الأمن القومي الأمريكي، وهي دائرة لا تتسامح مع المناطق الرمادية.
خلاصة القول، إن ما يجري في واشنطن اليوم ليس حدثًا معزولًا، بل علامة على تحول عميق في ميزان السرديات: من خطاب “النزاع السياسي” إلى منطق “الاستقرار مقابل الفوضى”، وفي هذا التحول، تبدو عصابة البوليساريو الخاسر الأكبر، بينما يرسّخ المغرب موقعه كفاعل مركزي في معادلة الأمن الإقليمي.
تحول موقف واشنطن تجاه الصحراء: عصابة البوليساريو بين الإرهاب والاستبعاد

