Site icon جريدة صفرو بريس

بين شعار تخليق الحياة السياسية وواقع الترشح: كيف نجا محمد شوكي من مقص الاستبعاد؟


في الوقت الذي تتسارع فيه تطورات ملف البرلماني السابق رشيد الفايق من داخل أسوار السجن، عادت إلى الواجهة أسئلة محرجة تتعلق بمدى انسجام الخطاب الرسمي حول “تخليق الحياة السياسية” مع الممارسة الفعلية على الأرض، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأسماء وازنة داخل أحزاب الأغلبية.
القضية لم تعد مجرد شكاية قانونية بين طرفين، بل تحولت إلى مرآة تعكس اختلالاً أعمق في معايير الانتقاء السياسي. فحين يطالب الفايق بإعادة فتح شكايته ضد محمد شوكي، القيادي في حزب التجمع الوطني للأحرار، فإنه يضع الرأي العام أمام مفارقة صارخة: كيف يمكن لشخص تحوم حوله شبهات أو نزاعات قانونية أن يحظى بتزكية حزبية ويخوض غمار الانتخابات، في وقت تشدد فيه وزارة الداخلية على استبعاد كل من تحوم حوله شبهات فساد؟
هذه المفارقة تطرح أكثر من علامة استفهام حول فعالية آليات المراقبة السياسية، بل وحتى حول حدود الخطاب الرسمي نفسه. فوزارة الداخلية، التي طالما رفعت شعار ربط المسؤولية بالمحاسبة، أرسلت في أكثر من محطة إشارات واضحة بضرورة “تنقية” المشهد الانتخابي من المرشحين المثيرين للجدل. لكن الواقع يكشف أن هذه التوجيهات تبدو، في بعض الحالات، أقرب إلى توصيات أخلاقية منها إلى قواعد ملزمة.
ما يحدث اليوم يعيد طرح سؤال جوهري: هل الأحزاب السياسية، وعلى رأسها حزب التجمع الوطني للأحرار، تمتلك فعلاً إرادة داخلية لتطبيق معايير النزاهة، أم أن منطق “الوزن الانتخابي” لا يزال يتغلب على منطق “النزاهة السياسية”؟ فاختيار مرشحين ذوي نفوذ محلي، حتى وإن كانوا مثقلين بشبهات أو ملفات، يعكس استمرار ثقافة انتخابية ترى في “القدرة على الحشد” معياراً أهم من “نظافة اليد”.
الأمر لا يقف عند حدود الأحزاب، بل يمتد إلى البنية العامة للمشهد السياسي، حيث يصبح القانون في بعض الأحيان رهيناً بتأويلات مرنة، تسمح بمرور حالات يفترض أنها تخضع للتدقيق. وهنا يظهر الخلل الحقيقي: ليس في النصوص، بل في طريقة تفعيلها، وفي غياب آليات صارمة للربط بين الشبهة والمسؤولية السياسية.
قضية الفايق، بما تحمله من تصعيد داخل السجن ومطالب بإنصاف قانوني، تضع النظام السياسي أمام اختبار جديد. فإما أن يتم التعامل مع الملفات المعروضة بمنطق الشفافية وتكافؤ الفرص، أو أن يستمر الشعور العام بوجود “عدالة بسرعتين”: واحدة صارمة على البعض، وأخرى مرنة مع آخرين.
وفي النهاية، فإن أخطر ما في هذه المفارقة ليس فقط تضاربها مع الخطاب الرسمي، بل تأثيرها المباشر على ثقة المواطن في العملية السياسية برمتها. لأن الناخب، حين يرى أن معايير النزاهة تُطبّق بانتقائية، يفقد تدريجياً إيمانه بجدوى المشاركة، ويتحول المشهد الديمقراطي إلى مجرد واجهة شكلية تخفي خلفها توازنات غير معلنة.
هنا بالضبط، لا تعود القضية قضية أشخاص، بل قضية نموذج سياسي بأكمله، يحتاج إلى مراجعة عميقة تتجاوز الشعارات نحو ممارسات فعلية تعيد الاعتبار لمفهوم العدالة السياسية.

Exit mobile version