من أزيلال، خرجت فاطمة الزهراء المنصوري لتقصف خصومها سياسياً، متسائلة: «فين كنتو فاش كانو كيموتو المغاربة فالزلزال؟ عاد دابا جيتو باغين الأصوات!». سؤال قوي في ظاهره، لكنه يفتح باباً آخر أكثر إزعاجاً: ومن قال إن المواطن نسي من كان وأين كان؟ ومن قال إن المغاربة يريدون سماع خطابات انتخابية تستثمر في جراح الزلزال بدل أن يسمعوا أجوبة واضحة عن حصيلة ما بعد الكارثة؟
زعما نتي كنتي كتجيبي الناس من تحت الأنقاض بيديك؟ زعما كنتي واقفة وسط الركام كتخرجي الضحايا من تحت الحجارة؟ الزلزال كان كارثة إنسانية هزّت المغرب، والناس فقدت أبناءها وبيوتها وممتلكاتها، والمطلوب اليوم ليس تحويل المأساة إلى ذخيرة انتخابية، بل فتح الملفات والسؤال عن ماذا تحقق فعلاً بعد مرور الوقت.
وإذا كانت المنصوري تسأل: «فين كنتو؟»، فالمواطن من حقه بدوره يسأل: ومن كان مسؤولاً عن التعمير؟ ومن كان مسؤولاً عن مراقبة البناء؟ ومن كان مسؤولاً عن احترام معايير السلامة؟ ومن يتحمل مسؤولية التأخر أو الاختلالات، إن ثبتت، في إعادة الإعمار؟ لأن الزلزال قدر طبيعي، نعم، لكن جودة البناء والتعمير والمراقبة والتخطيط وحماية المواطنين كلها قضايا بشرية ومؤسساتية قابلة للمساءلة.
والسؤال الأكثر إيلاماً ليس فقط أين كان السياسيون ليلة الزلزال، بل أين يوجد بعض المتضررين اليوم؟ في الحوز، ما زال هناك مواطنون عاشوا آثار الزلزال ووجدوا أنفسهم في مواجهة فقدان المنزل والاستقرار، وبعضهم ظل لفترات في الخيام أو في ظروف سكنية صعبة. هؤلاء لا يحتاجون إلى خطب انتخابية ولا إلى مزايدات حزبية؛ يحتاجون إلى بيت آمن، وإدارة حاضرة، وإعادة إعمار تحفظ كرامتهم.
ثم لنترك الزلزال جانباً للحظة ونسأل عن واقع المغاربة اليوم. من قال للمغاربة إن أغلب الشباب أصبحوا يمتلكون منازل بفضل الدعم السكني؟ إن كان هذا الكلام قد قُدّم بهذه الصورة، فالمواطن من حقه أن يسأل: فين هو هاد الشباب اللي ولى مالك للسكن؟ لأن المغاربة يرون بأعينهم شباباً عاجزاً عن شراء شقة، وشباباً آخر يواجه غلاء الكراء، وآخرين ينتظرون سنوات حتى يجدوا عملاً مستقراً يسمح لهم أصلاً بالتفكير في امتلاك منزل.
هذه هي الفجوة التي تغضب المواطن: السياسي يرى الأرقام والتقارير، والمواطن يرى حياته اليومية. السياسي يتحدث عن الدعم، والمواطن يحسب ثمن الكراء والقرض والمواد الغذائية وفواتير الماء والكهرباء والنقل. السياسي يقول إن الأمور تتحسن، والمواطن يفتح محفظته فيجد أن الراتب نفسه لم يعد يشتري ما كان يشتريه بالأمس.
ولهذا فإن أخطر شيء يمكن أن يقع فيه السياسي هو أن يطلب من المواطن أن يصدق ما تقوله الخطب بينما الواقع أمام عينيه يقول شيئاً آخر. المغاربة لا يحتاجون إلى من يشرح لهم واقعهم، لأنهم يعيشونه كل يوم. المواطن الذي لا يستطيع شراء منزل لن تقنعه عشرات التصريحات بأن أزمة السكن انتهت، والمواطن الذي يبحث عن عمل لن تقنعه لغة الأرقام بأن الشباب يعيشون الرفاه، والمواطن الذي يعيش آثار الزلزال لن تقنعه خطبة انتخابية بأن الملف انتهى بمجرد أن انتهت الكاميرات.
فإذا كانت المنصوري تريد محاسبة الخصوم على سؤال: «فين كنتو؟»، فليكن النقاش مفتوحاً على الجميع، بلا استثناء، وليجب كل مسؤول عن المرحلة التي كان فيها مسؤولاً، وعن الوعود التي أطلقها، وعن المشاريع التي أنجزها، وعن تلك التي بقيت حبيسة التصريحات.
الانتخابات ليست موسم توزيع صكوك البراءة، وليست مناسبة لإعادة كتابة التاريخ حسب مصلحة كل حزب. المواطن هو الذي عاش الزلزال، وهو الذي عاش الغلاء، وهو الذي يبحث عن السكن، وهو الذي يرى أبناءه أمامه وهم يكافحون من أجل العمل والاستقرار. لذلك لا يمكن أن تطلب منه الأحزاب أن ينسى ذاكرته بمجرد اقتراب موعد صناديق الاقتراع.
وفي النهاية، المواطن لا يريد أن يسمع: «فين كنتو؟» بقدر ما يريد أن يسأل الجميع: «شنو درتو؟ وشنو تبدل فحياتي؟» لأن الفرق كبير بين من يأتي في موسم الانتخابات ليذكر الناس بالمآسي، وبين من يستطيع أن يقدم حصيلة واضحة بالأرقام والنتائج.
أما المواطن، فقد أصبح أكثر وعياً من أن تضحك عليه الشعارات. راه كيشوف بعينيه، وكيعيش بجيبو، وكيحكم على السياسيين بالواقع ماشي بالخطابات… وباراكا من الكذوب، راه المواطن عاق وفاق.

