Site icon جريدة صفرو بريس

المرأة في السينما المغربية.. من قيود المجتمع إلى سؤال تسليع المعاناة

لم تكن صورة المرأة في السينما المغربية مجرد انعكاس لحضورها داخل الأسرة والمجتمع، بل كانت مرآة للتحولات التي عرفتها البلاد، وللصراع المستمر بين التقاليد والحرية، وبين ما يسمح المجتمع للمرأة بأن تكونه وما تحاول أن تنتزعه لنفسها من حق في الاختيار. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، حاولت أفلام مغربية الاقتراب من قضايا النساء، وكشف جوانب من التهميش والوصاية والعنف الاجتماعي، قبل أن تتسع الموضوعات في العقود اللاحقة لتشمل الاستغلال الاقتصادي والجنسي، والهشاشة الأسرية، والوصم الاجتماعي، وصراع المرأة مع نظرة الآخرين إليها.

لكن السؤال الذي يستحق النقاش ليس كم فيلما تناول المرأة، بل كيف صورها؟ هل منحها السينمائيون صوتا وشخصية مستقلة، أم جعلوا منها مجرد ضحية تستدعي الشفقة؟ وهل تطورت السينما المغربية في قدرتها على كشف معاناة النساء، أم أن بعض الأعمال الحديثة أصبحت أكثر اهتماما بجرأة المشاهد وإثارة الجدل من اهتمامها بجذور المشكلات التي تعرضها؟

السبعينيات.. المرأة في مواجهة سلطة التقاليد

في سبعينيات القرن الماضي، كانت السينما المغربية تتحسس طريقها في مجتمع يعيش تحولات سياسية وثقافية واجتماعية عميقة. ولم تكن قضايا المرأة منفصلة عن هذه التحولات، إذ ظل الزواج والطلاق وتعدد الزوجات والسلطة الأسرية من الموضوعات التي تكشف موقع المرأة داخل البنية الاجتماعية.

ومن الأعمال التي تساعد على قراءة هذه المرحلة فيلم «الشرقي أو الصمت العنيف» لمومن السميحي، الذي صدر سنة 1975، ويتيح التفكير في أثر البنية الاجتماعية والتقاليد على العلاقات الإنسانية وموقع المرأة داخلها. كما يمكن استحضار فيلم «عرس الدم» لسهيل بنبركة، الصادر سنة 1977، في إطار قراءة أوسع للمجتمع والسلطة والتقاليد، مع الانتباه إلى أنه ليس فيلما نسائيا خالصا.

لم تكن المرأة في هذه المرحلة دائما صاحبة الحكاية، لكنها كانت حاضرة داخل منظومة من العلاقات التي تحدد مصيرها وتضيق أحيانا مساحة اختيارها. وهنا تظهر إحدى الإشكالات الأولى في تمثيل المرأة: أن تكون حاضرة بقوة في الأحداث، من دون أن تكون بالضرورة صاحبة القرار فيها.

الثمانينيات.. من الزواج المبكر إلى البحث عن الذات

مع فيلم «عرائس من قصب» للجيلالي فرحاتي، الصادر سنة 1981، تصبح معاناة المرأة أكثر وضوحا في قلب الحكاية. فالفتاة التي تتزوج في سن مبكرة، ثم تواجه الترمل ومسؤولية الأبناء، لا تجد بالضرورة في المجتمع مساحة كافية لإعادة بناء حياتها. وحين تحاول أن تختار طريقا جديدا، تصطدم بأحكام اجتماعية لا تنظر إلى رغبتها في الاستقرار بوصفها حقا طبيعيا، بل قد تحولها إلى موضع اتهام وتضييق.

تكمن أهمية هذا العمل في أنه لا يجعل معاناة المرأة مجرد حادث عابر، بل يضعها في مواجهة منظومة من الأحكام التي تلاحقها حتى عندما تحاول تجاوز ماضيها. فالمرأة هنا لا تعاني فقط من فقدان الزوج أو صعوبة الحياة، بل من مجتمع قد يحرمها أيضا من حقها في اتخاذ قرار جديد.

وفي الاتجاه نفسه، يفتح فيلم «باب السماء مفتوح» لفريدة بليزيد، الذي يعود إلى أواخر الثمانينيات بحسب المراجع المتداولة، بابا آخر للتفكير في علاقة المرأة بالهوية والتحرر والمرجعيات الثقافية. وبذلك لا تبقى قضية المرأة محصورة في الزواج والأسرة، بل تمتد إلى سؤال أوسع: كيف تستطيع المرأة أن تعيد تعريف ذاتها داخل مجتمع تتنازع فيه القيم التقليدية وأسئلة التغيير؟

وتكشف المقارنة بين العملين أن السينما تستطيع معالجة القضية النسائية من زاويتين مختلفتين: الأولى تركز على القيود التي تواجهها المرأة في حياتها اليومية، والثانية تتيح الاقتراب من أسئلتها الداخلية وعلاقتها بذاتها وبالعالم المحيط بها.

التسعينيات.. الجسد والاختيار والقيود الاجتماعية

في التسعينيات، برزت أعمال جعلت وضع المرأة موضوعا أكثر مباشرة للنقاش. ويأتي فيلم «في بيت أبي» ضمن الأعمال التي تتيح مناقشة الرقابة الاجتماعية على جسد المرأة، وخاصة ما يرتبط بالعفة والزواج ونظرة المجتمع إلى السلوك النسائي. فالجسد في مثل هذه الحكايات لا يبقى شأنا شخصيا، بل يتحول إلى مساحة تتدخل فيها الأسرة والعادات والأحكام الجماعية.

أما فيلم «نساء ونساء» لسعد الشرايبي، الصادر في أواخر التسعينيات، فيفتح المجال لقراءة أكثر تعددا لتجارب النساء، من خلال قضايا العنف والطلاق والخيانة والضغوط الاجتماعية. والمرأة هنا ليست نموذجا واحدا، بل شخصيات تختلف أوضاعها وتتناقض اختياراتها، وهو ما يجعل القضية النسائية أكثر تعقيدا من مجرد مواجهة بين امرأة مظلومة ورجل متسلط.

وتكمن أهمية هذا التحول في أن المرأة تبدأ في الظهور باعتبارها شخصية تتشكل داخل شبكة من المصالح والعلاقات والصراعات، لا باعتبارها ضحية متشابهة في كل الظروف. ومع ذلك، يبقى السؤال قائما حول مدى قدرة هذه الأعمال على منح الشخصيات النسائية استقلالا حقيقيا، بدل أن تظل قراراتها محكومة بمسارات ترسمها الحكاية مسبقا.

سنوات الألفين.. حين يصبح التهميش جزءا من الحكاية

مع بداية الألفية الجديدة، اتجهت بعض الأفلام المغربية إلى فضاءات أكثر هامشية، حيث تتداخل الهشاشة الاقتصادية مع العزلة الاجتماعية والاستغلال. ويبرز فيلم «العيون الجافة» لنرجس النجار، الصادر سنة 2003، باعتباره عملا مهما في مناقشة صورة المرأة التي تعيش في بيئة ترتبط فيها الأجساد بالاستغلال، وتصبح فرص الخروج من الواقع المفروض عليها محدودة.

قوة هذا النوع من الأفلام تكمن في طرح السؤال عن الظروف التي تدفع النساء إلى أوضاع قاسية، بدلا من الاكتفاء بإدانة سلوكهن. فحين تنفصل الصورة السينمائية عن السياق الاجتماعي والاقتصادي، يصبح من السهل تحويل المرأة إلى موضوع للحكم الأخلاقي. أما حين تكشف الحكاية محيطها وشروطه، فإنها تفتح المجال لفهم أعمق لمعاناتها.

وفي فيلم «الطفل النائم» لياسمين قصاري، الصادر سنة 2004، تظهر آثار الهجرة وغياب الزوج على حياة المرأة والأسرة. فالغياب لا يقاس بالمسافة وحدها، بل بما يتركه من فراغ عاطفي واجتماعي، وبما يفرضه على المرأة من مسؤوليات وانتظار وتدبير للحياة اليومية. ومن خلال هذه الزاوية، تتجاوز القضية النسائية حدود المواجهة المباشرة مع الرجل لتشمل الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تعيد تشكيل العلاقات الأسرية.

وتكشف هذه المرحلة أن معالجة المرأة لا تحتاج دائما إلى مشاهد صادمة أو موضوعات مثيرة للجدل؛ فقد يكون تصوير الانتظار والوحدة والضغط اليومي أكثر قدرة على كشف المعاناة من المبالغة في عرض مظاهرها الخارجية.

سنوات 2010.. بين كشف الاستغلال وتسليع الجسد

في العقد الثاني من الألفية، أصبحت صورة المرأة في السينما المغربية موضوعا أكثر إثارة للجدل، خاصة مع أفلام اختارت الاقتراب من عالم الدعارة والاستغلال الجنسي والهشاشة الاجتماعية. ويأتي «الزين اللي فيك» لنبيل عيوش، الصادر سنة 2015، في مقدمة الأعمال التي أثارت نقاشا واسعا حول الحدود الفاصلة بين كشف واقع قاس وتحويله إلى مادة للفرجة.

لا يتعلق النقاش هنا بإنكار حق السينما في تناول موضوعات حساسة، ولا بافتراض أن كل تصوير للجسد هو بالضرورة تسليع للمرأة. فالسؤال الحقيقي هو: من يملك النظرة داخل الفيلم؟ هل نرى المرأة من داخل تجربتها، بما تحمله من خوف ورغبة وتناقضات وظروف اجتماعية، أم يجري اختزالها في جسد يستأثر باهتمام الكاميرا والجمهور؟

قد يقول المدافعون عن هذه الأعمال إن الجرأة البصرية ضرورية لكسر الصمت حول واقع مسكوت عنه. لكن الجرأة وحدها لا تكفي لإثبات القيمة الإنسانية للعمل؛ إذ ينبغي النظر أيضا إلى الطريقة التي يبني بها شخصياته، وإلى ما إذا كان يكشف أسباب الاستغلال أم يكتفي بعرض مظاهره. فهناك فرق بين أن تكشف السينما كيف تُستغل المرأة، وأن تجعل من هذا الاستغلال نفسه وسيلة لجذب المشاهد.

وفي المقابل، يقدم فيلم «آدم» لمريم التوزاني، الصادر سنة 2019، معالجة أكثر هدوءا للهشاشة النسائية من خلال قصة امرأة حامل خارج إطار الزواج تبحث عن مأوى وعمل، وتجد نفسها في علاقة إنسانية مع امرأة أخرى تعيش بدورها تحت وطأة ظروفها الخاصة. لا يعتمد الفيلم على الصدمة وحدها، بل يمنح الشخصيات وقتا لتتكشف مخاوفها وتناقضاتها، ويجعل التضامن بين النساء مدخلا لفهم ما يفرضه المجتمع عليهن من أحكام.

وتظهر المقارنة بين الفيلمين أن القضية ليست في اختيار موضوع صادم أو غير صادم، بل في الرؤية التي تحكم المعالجة. فقد يتناول فيلم الاستغلال من دون أن يختزل المرأة فيه، وقد يتناول موضوعا عاديا في ظاهره لكنه يفشل في منح الشخصية النسائية عمقا إنسانيا.

من 2020 إلى اليوم.. هل أصبحت المرأة أكثر حضورا أم أكثر تعقيدا؟

في السنوات الأخيرة، استمرت السينما المغربية في تقديم شخصيات نسائية تواجه ضغوطا أسرية واجتماعية ونفسية. ومن الأعمال التي تسمح بمواصلة هذا النقاش فيلم «القفطان الأزرق» لمريم التوزاني، الصادر سنة 2022، الذي يضع المرأة داخل شبكة من العلاقات الأسرية والعاطفية المعقدة، ويمنح تفاصيل الحياة اليومية والصمت والمشاعر مساحة أساسية في بناء الحكاية.

لا يتعامل الفيلم مع الشخصية النسائية بوصفها شعارا لقضية جاهزة، بل يترك العلاقات الإنسانية تظهر بتعقيداتها، بما فيها التضحية والغيرة والألم والقبول. وهذا الأسلوب يذكر بأن معاناة المرأة لا تتجسد دائما في العنف الصريح أو المنع المباشر؛ فقد تظهر أيضا في الأدوار التي تتحملها، وفي التنازلات التي تقدمها، وفي المشاعر التي يصعب عليها التعبير عنها.

ويمكن أن نضيف إلى هذه المقارنة فيلم «الملعونون لا يبكون» لفيصل بوليفة، الصادر سنة 2022، الذي يتابع رحلة أم وابنها وسط ظروف قاسية من التنقل والهشاشة والوصم الاجتماعي. وتتيح شخصية الأم طرح أسئلة حول الأمومة والبقاء والاختيارات التي تتخذها المرأة في ظروف لا تمنحها دائما بدائل سهلة.

ومع ذلك، لا ينبغي اعتبار حداثة الفيلم دليلا تلقائيا على تطور صورة المرأة فيه. فالتطور الحقيقي لا يقاس بعدد الشخصيات النسائية في الأعمال، ولا بحجم المساحة المخصصة لمعاناتها، وإنما بمدى استقلالها داخل الحكاية، وبقدرة السينما على تقديمها كشخصية كاملة لها رغباتها وأخطاؤها ومواقفها وحقها في الاختيار.

هل كانت السينما القديمة أكثر واقعية من سينما اليوم؟

قد يخرج المتأمل في بعض الأفلام القديمة بانطباع مفاده أن السينما المغربية كانت أكثر التصاقا بالتناقضات الاجتماعية، وأنها استطاعت الاقتراب من الزواج المبكر والوصاية والطلاق ونظرة المجتمع إلى المرأة، من دون أن تجعل الجرأة البصرية مركز العمل. لكن هذا الانطباع يحتاج إلى اختبار، لا إلى تحويله إلى حكم نهائي على تاريخ سينمائي طويل.

فالأفلام القديمة لم تكن كلها عميقة أو منصفة للمرأة، كما أن الأفلام الحديثة ليست كلها أسيرة السوق والإثارة. هناك أعمال معاصرة منحت الشخصيات النسائية تعقيدا إنسانيا واضحا، وهناك أعمال أقدم ظلت المرأة فيها محكومة بنظرة المجتمع أو بوظيفة محددة داخل الحكاية.

الأدق إذن هو المقارنة بين الأفلام نفسها، لا بين زمنين على نحو مطلق. هل يكشف العمل أسباب المعاناة أم يكتفي بوصفها؟ هل يمنح المرأة القدرة على اتخاذ القرار أم يجعل مصيرها رهينا بالآخرين؟ هل يعرض جسدها باعتباره جزءا من تجربتها الإنسانية أم يجعله مركز الفرجة؟ وهل يتيح للمشاهد أن يفهم الشخصية، أم يدفعه فقط إلى إدانتها أو الشفقة عليها؟

هذه الأسئلة هي التي تميز بين سينما تقترب من المرأة وسينما تستخدم المرأة للوصول إلى غايات أخرى.

المرأة ليست موضوعا للفرجة

على امتداد العقود، تغيرت الموضوعات التي تناولتها السينما المغربية، وتبدلت أساليب التصوير والحكي، لكن التحدي الأساسي ظل قائما: كيف يمكن تقديم المرأة باعتبارها إنسانا كاملا، لا مجرد ضحية للتقاليد، ولا رمزا للتحرر، ولا جسدا يستدعي الجدل؟

إن السينما التي تدافع عن كرامة المرأة ليست بالضرورة تلك التي تتجنب الموضوعات الحساسة، كما أن السينما التي تعرض العنف أو الاستغلال لا تصبح تلقائيا سينما نقدية. المعيار هو الرؤية: هل تمنح الشخصية صوتا؟ هل تضع معاناتها داخل سياق مفهوم؟ هل تكشف مسؤولية المجتمع والمؤسسات والعلاقات الاقتصادية؟ وهل تسمح للمرأة بأن تكون أكثر من مجموع الآلام التي تعيشها؟

ربما لا تكون السينما المغربية قد انتقلت في خط مستقيم من صورة المرأة المقهورة إلى صورة المرأة المستقلة، لأن هذا التحول نفسه لم يكتمل في الواقع الاجتماعي. لكن المقارنة بين أفلام «عرائس من قصب» و«نساء ونساء» و«العيون الجافة» و«آدم» و«القفطان الأزرق» تكشف اتساع زوايا النظر إلى التجربة النسائية، من القيود الاجتماعية المباشرة إلى الهشاشة والتضامن والعلاقات الإنسانية المعقدة.

ويبقى السؤال مفتوحا أمام المخرجين والمنتجين والنقاد: هل نريد سينما تتحدث عن المرأة، أم سينما تتيح لها أن تتحدث عن نفسها؟ فالفرق بين الأمرين هو الفرق بين جعل معاناتها مادة للحكاية، والاعتراف بها بوصفها صاحبة الحكاية وحقها في صياغة مصيرها.

Exit mobile version