Site icon جريدة صفرو بريس

الكتاتيب القرآنية… حين يصحح الواقع كثيراً من الأحكام الجاهزة عن المجتمع المغربي

مع انطلاق العطلة الصيفية من كل سنة، يتكرر مشهد يحمل دلالات عميقة داخل المجتمع المغربي؛ أسر تتوافد على الكتاتيب القرآنية والمدارس العتيقة لتسجيل أبنائها في حلقات حفظ القرآن الكريم وتعلم أحكام التلاوة والتجويد. وهو مشهد لا يبدو عابراً أو استثنائياً، بل يعكس استمرار حضور المؤسسات الدينية التقليدية في الحياة اليومية للمغاربة، رغم التحولات الاجتماعية والثقافية التي يعرفها العالم.

وفي خضم النقاشات التي تصدر أحياناً أحكاماً متسرعة حول هوية المجتمع المغربي، يأتي الواقع ليقدم معطيات أكثر موضوعية. فالإقبال الواسع على الكتاتيب القرآنية لا تصنعه الحملات الإعلامية ولا تفرضه أي جهة، بل هو اختيار تتخذه آلاف الأسر التي ترى في تعليم القرآن الكريم جزءاً من تربية أبنائها، ومنظومة قيم تسعى إلى ترسيخها منذ الصغر.

هذا المشهد يؤكد أن العلاقة بين المغاربة ودينهم ليست مجرد شعارات أو مناسبات، وإنما تمتد إلى ممارسات يومية وقرارات أسرية تتجدد مع كل موسم. فالعطلة الصيفية، التي يمكن أن تتحول إلى فترة للترفيه فقط، يختار كثير من الآباء والأمهات أن يجعلوها أيضاً فرصة لتقوية الجانب الروحي والتربوي لدى أبنائهم، عبر الالتحاق بالكتاتيب والمدارس العتيقة.

كما أن هذه المؤسسات لم تعد تؤدي وظيفة تعليمية فحسب، بل أصبحت فضاءات للتربية على الانضباط، واحترام الآخر، والتحلي بالأخلاق، إلى جانب إتقان تلاوة القرآن الكريم وحفظه. ولذلك، فإن استمرار الإقبال عليها يعكس الثقة التي ما زالت تحظى بها داخل المجتمع المغربي.

ولا يمكن إغفال أن المغرب راكم عبر تاريخه تجربة متميزة في مجال التعليم العتيق، حيث شكلت الكتاتيب القرآنية إحدى اللبنات الأساسية في تكوين أجيال متعاقبة، وأسهمت في الحفاظ على اللغة العربية والعلوم الشرعية والهوية الثقافية للمملكة. واليوم، ما تزال هذه المؤسسات تؤدي دورها، مع تطوير أساليبها وبرامجها بما ينسجم مع متطلبات العصر.

إن ما يحدث كل صيف يبعث برسالة واضحة مفادها أن الهوية الدينية للمغاربة ليست موضوعاً للنقاش النظري فقط، بل هي واقع ينعكس في اختيارات الأسر وفي استمرار الإقبال على مؤسسات تحفيظ القرآن الكريم. فالأرقام، والإقبال المتزايد، وحيوية الكتاتيب في مختلف المدن والقرى، كلها مؤشرات تؤكد أن هذه المؤسسات ما زالت تحتفظ بمكانتها داخل المجتمع، وأن ارتباط المغاربة بمرجعيتهم الدينية يظل حاضراً في تفاصيل حياتهم وتربية أبنائهم، بعيداً عن الأحكام الجاهزة والانطباعات السريعة.

Exit mobile version