Site icon جريدة صفرو بريس

الشباب والعدالة المجالية في صلب التوجيهات الملكية.. دعوة إلى تسريع الإصلاح وتقريب القرار من المواطن

أكد الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح السنة التشريعية الجديدة أن المرحلة المقبلة لا تقتصر على مواصلة الأوراش الاقتصادية والبنيات التحتية، بل تستدعي أيضا وضع الشباب في صدارة السياسات العمومية، وتسريع إصلاح الإدارة، وتعزيز التنمية المجالية بما يستجيب للحاجيات الفعلية للمواطنين في مختلف جهات المملكة.

وفي هذا الإطار، شدد جلالة الملك محمد السادس على ضرورة وضع تصور متكامل لقضايا الشباب، يشمل التعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي، ويضمن تكافؤ الفرص ويعزز الثقة في قدرة هذه الفئة على تحقيق الارتقاء الاجتماعي وبناء مستقبل أفضل في ظل الحرية والكرامة والاستقرار.

وتكتسي هذه الدعوة أهمية خاصة في ظل التحديات المرتبطة بالتشغيل والهدر المدرسي وصعوبة الولوج إلى الفرص الاقتصادية، فضلا عن التفاوت في الاستفادة من الخدمات والتكوين بين المجالات الحضرية والقروية. فتمكين الشباب لا يتحقق بالشعارات أو البرامج المؤقتة، وإنما يقتضي سياسات مترابطة تمنحهم تكوينا ملائما، وتفتح أمامهم آفاق الشغل والمبادرة، وتيسر اندماجهم في الحياة الاقتصادية والاجتماعية.

كما أن إدراج قضايا الشباب ضمن اهتمامات هيئات الحكامة يعكس الحاجة إلى جعل هذه القضايا مسؤولية مشتركة بين المؤسسات، بدل حصرها في قطاعات محدودة. ويتطلب ذلك تعزيز التنسيق بين التعليم والتكوين المهني والتشغيل والاستثمار، حتى تصبح المسارات المتاحة أمام الشباب أكثر وضوحا وارتباطا بحاجيات الاقتصاد الوطني.

وعلى المستوى الترابي، وضع الخطاب الملكي العمل الميداني في مقدمة الرهانات المقبلة، داعيا إلى الوقوف على المشاكل الحقيقية لكل منطقة والبحث عن حلول واقعية لها. ويعني هذا التوجه أن السياسات التنموية ينبغي أن تنطلق من خصوصيات المجالات المحلية، وأن تستجيب للاحتياجات الفعلية للسكان، بدل الاكتفاء بمقاربات موحدة لا تراعي الفوارق بين الجهات والأقاليم.

وفي هذا السياق، شدد جلالة الملك على أهمية الجهوية المتقدمة وتفعيل اللاتمركز الإداري، مع التنبيه إلى أن التأخير والاختلالات التي تعرقل تنزيلهما تنعكس سلبا على برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتحد من قدرة المؤسسات على التجاوب مع انشغالات المواطنين.

ودعا الخطاب إلى التفعيل الكامل لميثاق اللاتمركز، بما يستلزمه من نقل الصلاحيات والموارد البشرية والمالية الضرورية من المركز إلى الجهات والأقاليم. كما أكد ضرورة تجاوز العراقيل التي تحد من عمل مؤسسات الجهة، وتوضيح الاختصاصات، وتقوية الموارد المتاحة لها، وتنظيم العلاقات بين الدولة والجهات على أساس التنسيق والتعاقد والقدرة الفعلية على اتخاذ القرار وتنفيذ المشاريع.

وتطرح هذه التوجيهات سؤالا أساسيا بشأن نجاعة التدبير العمومي: كيف يمكن تحقيق تنمية متوازنة إذا ظلت القرارات مرتبطة بالمركز، أو إذا لم تتوفر المؤسسات الترابية على الإمكانات اللازمة للقيام بأدوارها؟ فالقرب الإداري لا يتحقق بمجرد إحداث المؤسسات، وإنما بتمكينها من الصلاحيات والموارد، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتحديد واضح لمجالات تدخل كل طرف.

كما أن تحسين الخدمات العمومية يظل معيارا حاسما لقياس نجاح الإصلاحات، سواء تعلق الأمر بالتعليم أو الصحة أو النقل أو فرص الاستثمار والتشغيل. فالمواطن ينتظر نتائج ملموسة في محيطه اليومي، ويقيس فعالية السياسات العمومية بمدى قدرتها على الاستجابة لمطالبه وتقليص الفوارق المجالية.

وبذلك، يضع الخطاب الملكي الشباب والتنمية الترابية في قلب معادلة الإصلاح، مؤكدا أن بناء مغرب أكثر تنافسية وعدالة يمر عبر تمكين الأجيال الجديدة من الفرص، ومنح الجهات قدرة أكبر على التدبير، وتسريع الانتقال من القرارات المركزية إلى الإنجاز الميداني. ويبقى الرهان الأساسي أمام المؤسسات المنتخبة والحكومة هو ترجمة هذه التوجيهات إلى إجراءات عملية يشعر المواطن بأثرها في حياته اليومية.

Exit mobile version