Site icon جريدة صفرو بريس

السميك.. وعود تتجدد والذاكرة لا تنسى

يبدو أن «السميك» دخل من جديد إلى سوق الوعود السياسية، وهذه المرة من بوابة حزب التجمع الوطني للأحرار، حيث خرج رئيس الحزب محمد شوكي ليؤكد أن رفع الحد الأدنى للأجور إلى 5 آلاف درهم «التزام لحزب الأحرار»، وأن تنزيله سيتم بإشراك الفرقاء الاجتماعيين.

جميل جداً… بل أكثر من جميل! فالمغاربة يحبون الالتزامات، خصوصاً عندما تكون مرتبطة بالمال، لأن المواطن حين يسمع عبارة «5 آلاف درهم» يبدأ عقله فوراً في إجراء عملية حسابية بسيطة: ماذا يمكن أن يفعل بهذا المبلغ؟ ثم يتذكر أن السياسة المغربية سبق أن أغرقته في الحسابات نفسها، قبل أن يكتشف أن بعض الوعود كانت مثل الحافلات: يسمع عنها كثيراً، لكنه لا يعرف متى ستصل.

والذاكرة هنا ليست ترفاً. ففي سنة 2021، وخلال الحملة الانتخابية، صدرت وعود انتخابية كبيرة من قيادات حزب التجمع الوطني للأحرار، ومن بينها تصريحات رشيد الطالبي العلمي بشأن تحسين دخل المواطنين، وهي التصريحات التي بقيت حاضرة في النقاش السياسي كلما عاد الحديث عن الزيادات والأجور.

واليوم، بعد سنوات، يعود «السميك» إلى الواجهة، وكأننا أمام موسم جديد من مسلسل الوعود، فقط تغيرت الحلقة وتغير الرقم.

المواطن المغربي ربما لم يعد يسأل: «كم سيصبح السميك؟»، بل أصبح يسأل سؤالاً أكثر بساطة وواقعية: متى؟

لأن 5 آلاف درهم في التصريحات شيء، و5 آلاف درهم في الراتب شيء آخر تماماً. الأول يصل بسرعة إلى المنابر والجرائد ومواقع التواصل، أما الثاني فيحتاج إلى قرار وتنزيل وتمويل ومفاوضات، ثم ينتظر المواطن أن يرى أثره في حسابه البنكي أو في أجره الشهري.

أما عبارة «التزام حزب الأحرار»، فهي تحتاج بدورها إلى ذاكرة جماعية قوية. فالمغاربة لم يعد تنقصهم الوعود، بل تنقصهم الزيادات التي تتحول من كلام سياسي إلى واقع اجتماعي.

ولذلك، عندما يسمع المواطن اليوم عن 5 آلاف درهم، فمن حقه أن يصفق… ولكن من حقه أيضاً أن يحتفظ بالفاتورة القديمة.

فقد سمع المغاربة وعوداً كثيرة من قبل: زيادات في الأجور، تحسين القدرة الشرائية، محاربة الغلاء، دعم الطبقة المتوسطة، وإجراءات ستجعل الحياة «أفضل». لكن الواقع الاقتصادي لا يقرأ البلاغات الحزبية، والجيب لا يتأثر بالتصريحات التلفزيونية.

والأطرف أن الأحزاب السياسية تتعامل أحياناً مع ذاكرة المواطن وكأنها ذاكرة هاتف قديم: اضغط على «إعادة التشغيل»، وستختفي الملفات السابقة!

لكن المواطن تغير. صار يسجل، يقارن، ويتذكر. والأهم أنه صار يسأل عن النتائج، لا عن النوايا.

فإذا كان رفع «السميك» إلى 5 آلاف درهم التزاماً، فليكن السؤال بسيطاً: متى يبدأ التنفيذ؟ ومن سيستفيد؟ وكيف سيتم تنزيله؟ وهل سيكون شاملاً لكل الأجراء المعنيين أم مجرد عنوان انتخابي جديد؟

أما إشراك النقابات والاتحاد العام لمقاولات المغرب والفرقاء الاجتماعيين، فهو أمر مطلوب وطبيعي، لأن الأجور ليست ورقة انتخابية تُرفع في التجمعات ثم تعاد إلى الدرج بعد انتهاء الموسم.

وفي النهاية، لا أحد ضد أن يرتفع أجر المواطن، بل الجميع معه. المشكلة فقط أن المواطن المغربي أصبح يريد شيئاً بسيطاً جداً من السياسيين: لا تتعبوا أنفسكم بكثرة الكلام… فقط دعوا الأرقام تظهر في الأجور.

أما الوعود، فقد حفظها المواطن عن ظهر قلب.

وإذا كان هناك من يظن أن المغاربة ينسون، فليجرب أن يسألهم عن وعود انتخابات 2021… وسيرى أن الذاكرة السياسية للمغربي أقوى بكثير مما يتصور البعض.

باختصار: السميك يمكن أن يرتفع إلى 5 آلاف، لكن سقف الوعود السياسية سبق ذلك بكثير.

Exit mobile version