لم يكن قرار منع تصدير السردين المجمد ابتداءً من فاتح فبراير المقبل مجرد إجراء تقني عابر في قطاع الصيد البحري، بل تحوّل بسرعة إلى حدث اقتصادي وسياسي يعكس توازنات دقيقة بين حاجيات السوق الوطنية وضغوط الشركاء التجاريين، وعلى رأسهم إسبانيا. فبمجرد إعلان كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري عن هذا القرار، خرجت أصوات من داخل الصناعة التحويلية الإسبانية تعبّر عن قلقها، معتبرة أن السردين المغربي يشكل ركيزة أساسية في نشاطها الصناعي.
من زاوية مغربية، يبدو القرار منسجماً مع سياق داخلي يتسم بارتفاع أسعار السمك، وتراجع القدرة الشرائية، وتزايد الانتقادات الموجهة إلى سلاسل التسويق والتصدير التي تُتهم بتغليب منطق الربح الخارجي على حاجيات المستهلك المحلي. فالسردين، الذي لطالما ارتبط في المخيال الشعبي بكونه “سمك الفقراء”، أصبح في السنوات الأخيرة سلعة نادرة نسبياً في بعض الأسواق، أو متوفرة بأسعار تفقده رمزيته الاجتماعية. وعليه، فإن منع تصدير السردين المجمد يُقدَّم رسمياً كخطوة لإعادة التوازن إلى السوق الوطنية وضمان وفرة المنتوج.
غير أن رد الفعل الإسباني يكشف الوجه الآخر للمعادلة. فإسبانيا، التي تمتلك صناعة تحويلية قوية في مجال المعلبات والمنتجات البحرية، اعتادت على الاعتماد على السردين المغربي كمادة خام أساسية، بحكم القرب الجغرافي، وجودة المنتوج، وتنافسية الأسعار. تحذيرات رابطة “ANFACO-CYTMA” لا تنطلق فقط من هاجس نقص مادة أولية، بل من خوف أوسع من اهتزاز نموذج صناعي بُني جزئياً على استقرار التوريد من الضفة الجنوبية للمتوسط.
هنا يطرح سؤال جوهري: إلى أي حد يحق للدول المصدِّرة للمواد الأولية أن تعيد ترتيب أولوياتها دون أن تُتَّهم بالإخلال بقواعد السوق أو “إزعاج” الشركاء؟ من منظور السيادة الغذائية، يبدو القرار المغربي دفاعياً ومشروعاً، خصوصاً إذا كان الهدف هو حماية الاستهلاك الداخلي وضمان حد أدنى من العدالة الاجتماعية في الولوج إلى الموارد البحرية. أما من منظور الصناعة الأوروبية، فهو قرار “مزعج” لأنه يذكر بحقيقة غالباً ما يتم تجاهلها: المواد الأولية ليست مضمونة إلى الأبد، وأن استقرار سلاسل الإنتاج في الشمال يبقى رهيناً بقرارات سيادية في الجنوب.
كما يكشف هذا الجدل خللاً بنيوياً أعمق، يتمثل في كون القيمة المضافة الكبرى تُحقق خارج بلد الإنتاج. فالمغرب يصدر السردين مجمداً، بينما تجني الصناعات التحويلية الأجنبية أرباح التصنيع والتعليب والتسويق. ومن هذه الزاوية، قد يشكل القرار فرصة لإعادة فتح نقاش وطني حول تطوير الصناعة التحويلية المحلية، وتقليص تصدير المواد الخام لفائدة تصدير منتجات نهائية ذات قيمة مضافة أعلى.
في المحصلة، لا يتعلق الأمر فقط بسردين مجمد أو بعقود تصدير معلقة، بل بصراع هادئ بين منطقين: منطق السوق العابرة للحدود، ومنطق الأولوية الوطنية. وبين هذا وذاك، يبرز سؤال المستقبل: هل سيكون القرار ظرفياً مرتبطاً بضغط اجتماعي آني، أم خطوة أولى في مسار أوسع لإعادة تعريف علاقة المغرب بثروته البحرية وبموقعه في سلاسل الإنتاج الدولية؟
السردين بين السيادة الغذائية وضغط السوق الأوروبية

