شهدت أسعار السردين، أحد أكثر المواد الغذائية ارتباطًا بالمائدة المغربية، ارتفاعًا صادمًا مع اقتراب شهر رمضان، حيث بلغ ثمن الكيلوغرام الواحد في بعض الأسواق حوالي 50 درهمًا، في مشهد غير مسبوق أثار موجة غضب واستياء واسعة في صفوف المواطنين. فالسردين، الذي ظل لعقود يُلقب بـ“سمك الفقراء”، لم يعد في متناول الفئات الشعبية التي كانت تعتمد عليه كبديل بروتيني أساسي، خاصة خلال الشهر الفضيل.
هذا الارتفاع لا يمكن اعتباره ظرفيًا أو معزولًا، بل يندرج ضمن سياق عام من الغلاء المتواصل الذي يطال مختلف المواد الأساسية، في ظل عجز واضح عن ضبط الأسواق أو حماية القدرة الشرائية للمواطنين. فكيف يعقل أن يقف بلدٌ يطل على واجهتين بحريتين، وغني بالثروة السمكية، عاجزًا عن توفير أبسط أنواعه بأسعار معقولة لأبنائه؟
إن ما يحدث اليوم يعكس خللًا عميقًا في سياسات تسويق وتوزيع المنتجات البحرية، حيث يهيمن الوسطاء والمضاربون على مسار السمك من الميناء إلى السوق، لترتفع الأسعار بشكل لا يعكس لا كلفة الصيد ولا القدرة الشرائية الحقيقية للأسر. والنتيجة أن المستهلك يؤدي الفاتورة كاملة، بينما تغيب المراقبة الفعلية وتختفي آليات الزجر.
الأخطر من ذلك أن هذا الغلاء يأتي في توقيت حساس، قبيل شهر رمضان، حيث يزداد الطلب على المواد الغذائية، ويُفترض أن تكون هناك إجراءات استباقية لحماية السوق وضمان استقرار الأسعار. غير أن الواقع يكشف عكس ذلك تمامًا، ويطرح أسئلة محرجة حول جدوى السياسات الحكومية المتبعة، ومدى قدرتها على التفاعل مع هموم المواطن اليومية.
في المغرب، لم يعد النقاش حول الغلاء ترفًا سياسيًا أو إعلاميًا، بل أصبح مسألة معيشية تمس كرامة المواطن وأمنه الغذائي. فحين يُحرم الفقير من السردين، فماذا تبقى له؟ وحين تُترك الأسواق نهبًا للمضاربة، فأين دور الدولة في حماية التوازن الاجتماعي؟
إن استمرار هذا الوضع دون محاسبة أو تدخل حازم لا يؤدي سوى إلى تعميق الفجوة الاجتماعية، وزرع الإحباط في نفوس المواطنين، الذين باتوا يشعرون بأنهم متروكون لمصيرهم في مواجهة موجة غلاء لا ترحم. المطلوب اليوم ليس تبرير الأسعار، بل مساءلة حقيقية للسياسات العمومية، وضرب حازم لكل أشكال الاحتكار والمضاربة، وإعادة الاعتبار لحق المواطن في غذاء أساسي بسعر معقول.
ويبقى السؤال مفتوحًا، وبمرارة:
بكم يُباع السردين في مدينتكم أو حيكم هذه الأيام؟ وهل لا يزال “سمك الفقراء”… للفقراء؟
السردين بـ50 درهمًا: حين يتحول “سمك الفقراء” إلى رمز لغلاء لا يرحم

